وإذا كان دال الإخوة مستدعيًا دلالة الجماعة التي يشير إليها قولهم {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} مرتين في السرد، فإن الآيات الكريمة قد تعاملت معهم جميعًا كوحدة واحدة أو شخصية واحدة جمعت بينهم العلة والنتيجة وإن دلت الآيات الكريمة على أن بعضهم، أو أحدهم - فيما نرجح - قد كان مترددًا في موافقتهم على موقفهم، أو على الأقل في النتيجة التي توصلوا إليها وقد انحصرت بين قتل يوسف أو طرحه أرضًا، فقد {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} [يوسف 9] ويبدو أن هذا القائل قد كانت به رأفة ورحمة بأخيه، ولكن الجمع كان مصرًّا على العقاب، ونحن نرجح من ربط الآيات الكريمة من بداية السرد إلى آخره بأن هذا القائل إنما هو كبيرهم الذي قال لهم بعد نجاح حيلة يوسف عليه السلام في أخذ أخيه بنيامين: {أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّ-هِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ? فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّ-هُ لِي ? وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يوسف 8.] .
وإذا كان هذا الكبير مشاركًا في الجريمة الأولى وهي جريمة التخلص من يوسف بالتخفف من حدّة الخيار الأول: القتل، والخيار الثاني: طرحه أرضًا يضلّ فيها ولا يستطيع العودة إلى أبيه - باقتراح أن يلقوه في غيابة الجُبّ، فإنه قد تبرأ من إخوته، أو تنصل من تفريطهم في وعدهم لأبيهم، رغم أن هذه المرة لم يكن لهم فيها حيلة، اللهمّ إلا الشعور القديم {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [يوسف 8] الذي تم استدعاؤه إلى الذاكرة عندما وقع المكروه للأخ الثاني، ومن ثمة يمكننا القول أن ليس الإخوة كلهم أشرارًا، وإن بدا أن الشر كان السمة المسيطرة على مشاركتهم في الأحداث.
لقد قلنا من قبل: إن إخوة يوسف عليه السلام قد كانوا واقعين تحت وطأة الحسد والحقد لأخويهم من أبيهم يعقوب عليه السلام، ومن ثمة توسلوا بكل الشرور والمكائد التي يمكن أن يقضوا بها على ما اعتبروه - خطئًا - تهديدًا لشخصيتهم ومكانتهم من أبيهم عندما رأوا بعيونهم القاصرة أثرة أبيهم بأخويهم، وربما أعطاهم الأب نفسه مثل هذا الإيحاء، بيد أن"التهديد المتوهم للشخصية الذي يعيشه الحاقد يدفعه إلى التعبير الإشباعي المتطرف، ليفكر أول ما يفكر بالقتل، وهو أشد مظاهر العدوان؛ إذ يرى فيه الحاقد أن مشكلته تزول بزوال شخصية المحقود عليه" [1] لذلك رأينا أن أول اقتراح للتخلص من يوسف عليه السلام هو القتل، بيد أننا إذا نظرنا في
(1) - د/ عبد الحميد الهاشمي: لمحات نفسية في القرآن الكريم ص 143 - سلسلة دغوة الحق ع 11 - س 2 - 14.2 ه-