فإذا قلنا: إن من جوز القيمة من العلماء إنما نظر لبعض الحالات التى تقتضي إخراجها بالقيمة، فهي مقدرة بقدر الضرورة التى تدعو إليها، فلو صح ذلك لم يكن في المسألة خلاف حقيقي أصلًا بين العلماء فيها.
لأن الجميع متفقون علي جواز المخالفة عند الضرورة المقتضية لذلك عملًا بقاعدة رفع الحرج.
إما ما احتج به هذا الفريق علي الجواز على العموم فلا يصح.
8 -والقول بإخراج الزكاة قيمة جرء الناس على ما هو أعظم، وهو القول بالقيمة في الهدي ولم يقل به أحد من العلماء علمًا بأن الأحناف أنفسهم لا يجيزون القيمة في الهدي؛ لأن الهدي فيه جانب تعبد وهو النسك.
قال النووي في المجموع [1] : على أنه لا تجزي القيمة في الأضحية. أ. هـ.
فهذا لا خلاف فيه بين العلماء بما فيهم من جوز دفع القيمة، ففي العبادات فضلًا عن الزكاة لا ينبغي أن نعول على العقل، وإنما المرجع فيه إلى الله تعالي.
فإن مالك المال الحقيقي هو الله سبحانه ونحن مستخلفون فيه، فالأغنياء وكلاء الله تعالي في ماله والوكيل لا يجوز أن يخالف ما يأمره به موكله، فإذا كنت وكيلًا لغني في ماله فقال لك: أعط الفقير من الطعام فأعطيته من المال لكنت مستحق للومه وعتابه.
-قال النووي [2] : أن الزكاة قربه لله تعالي وكل ما كان كذلك، فسبيله أن يتبع فيه أمر الله تعالى، فلا يجوز أن يتعلل المسلم بأن هذا الحكم غير مناسب للعصر أو أن ينسب القائل بإخراجها طعام بالجمود وعدم الاجتهاد، فالعلماء متفقون على أنه لا اجتهاد في وجود نص، فإذا جاء نص من الشارع في أمر من الأمور فيجب اتباع ما ورد في النص وعدم مخالفته امتثالًا؛ لقوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فته أو يصيبهم عذاب أليم} [3] .
وليعلم أن ذلك بما يقتضيه الإيمان لقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا} [4] .
9 -أن زكاة الفطر فيها جانب تعبد طهره الصائم وطعمه للمساكين كما أن عملية شرائها وكيلها، وتقديمها فيه إشعار بهذه العبادة أما تقديمها نقدًا، فلا يكون فيه فرق عن أي صدقه من الصدقات من حيث الإحساس بالواجب والشعور بالإطعام.
فإخراج القيمة يخرج زكاة الفطرة من كونها شعيرة ظاهره إلي كونها صدقة خفية.
(1) المجموع (5/ 359) .
(2) المجموع (5/ 380) .
(3) [النور 63] .
(4) [الأحزاب: 36] .