فإن إخراجها صاعًا من طعام يجعلها ظاهرة بين المسلمين معلومة للصغير والكبير يشاهدون كيلها، وتوزيعها، ويتبادلونها بينهم بخلاف ما لو كانت دراهم يخرجها الإنسان خفية بينه وبين الآخذ.
10 -أن المسلم إذا عمل بقول جمهور الأئمة الذين أوجبوا إخراج الأعيان المنصوصة، فأداها علي سبيل الوجوب برئت ذمته عند جميع الأئمة.
وأما إذا أخرج القيمة بغير عذر فإنه يبقى مطالبًا بواجب علي قول جمع كبير من العلماء، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (دع ما يريك إلي مالا يريبك) .
ويقول -صلى الله عليه وسلم- أيضًا: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) ، فعلى العبد أن يخرج من خلاف العلماء ما أمكن احتياطًا، وكان الإمام أبوبكر الأعمش -رحمه الله- يقول:
أداء الحنطة أفضل من أداء القيمة؛ لأن أقرب إلي امتثال الأمر وأبعد عن اختلاف العلماء فكان الاحتياط فيه [1] .
بقيت هنا بعض مسائل تتعلق بإخراج القيمة ذكرها علماء الحنفية:
الأولى: أن المراد بدفع القيمة قيمة الحنطة أو الشعير أو التمر، يؤدي قيمة أي الثلاث شاء عن أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد: يؤدي قيمة الحنطة [2] .
والذي أختاره: أن يدفع قيمة صاع من غالب قوت البلد، من أوسط الأصناف، فإن كان من أجودها فهو أحسن.
الثانية: أنه لا يجوز أداء الأجناس المنصوص عليها بعضها عن بعض باعتبار القيمة. فكما لا يجوز إخراج الحنطة عن الحنطة باعتبار القيمة؛ بأن يؤدى نصف صاع من حنطة جيدة عن صاع من حنطة وسط، لا يجوز إخراج تمر أو شعير عن الحنطة باعتبار القيمة، بأن، يؤدى نصف صاع تمر مثلًا تبلغ قيمته نصف صاع من حنطة، عن الحنطة، بل يقع عن نفسه، وعليه تكميل الباقي؛ لأن القيمة إنما تعتبر في غير المنصوص عليه [3] .
الثالثة: اختلف الحنفية: أيهما أفضل: دفع القيمة أم إخراج المنصوص عليه؟
فقال بعضهم: دفع الحنطة أفضل في الأحوال كلها، سواء أكانت أيام شدة أم لا؛ لأن في هذا موافقة للسنة. وفصل آخرون فقالوا: إذا كان الزمن زمن شدة وأزمة في الأقوات، فدفع العين (الحنطة) أفضل وأما في أوقات السعة والرخاء، فدفع القيمة أفضل؛ لأنها أعون على دفع حاجة الفقير [4] .
(1) أحكام زكاة الفطر، وهل يجوز إخراجها قيمة: ندا أبو أحمد.
(2) (الدر المختار وحاشيته"رد المحتار": 2/ 80) .
(3) (ذكر ذلك في رد المحتار: 2/ 83 نقلًا عن البدائع) .
(4) (المرجع السابق) .