الصفحة 10 من 21

وإما لستره نِعَمِها عنا المشارَ إليها بقوله - تعالى-: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) . [1]

أن الله تعالى قد قرَّب الجنة وأدناها لأهل التقوى والصلاح ممن آمن به وبرسله ورسالاته تقريبا غير بعيد، أو في مكان غير بعيد، فهي بمرأى منهم ينظرون إليها ويشمون ريحها، فيشاهدونها في الموقف، فعلامات الفلاح قد ظهرت وثمار الطاعة قد نضجت تنتظر أصحابها كي يتناولوها بعد شوق طويل.

فـ: (غَيْرَ بَعِيدٍ) تأكيد وبيان أن هذا التقدير هو في المسافة، لأن القرب كان يحتمل أن معناه مجازي: الوعد والإخبار، وأن موعد إيفاء الوعد قد اقترب، فرفع الاحتمال بقوله: غَيْرَ بَعِيدٍ [2] . فصور الله تعالى المشهد يوم القيامة بتصوير جميل مشوق يشتاق إليه كل مؤمن، فالجنة تقرب وتزلف من أهلها الذين صبروا كثيرا وعانوا المشاق والمكاره من أجل هذا اللقاء، فهم لا يكلفون مشقة السير إليها، بل هي التي تجيء إليهم وتطلب ودهم، فما فيها أعد لهم مما لم تراه العيون ولم تسمع به الآذان ومما لم يخطر على قلوب البشر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ» [3] .

قال تعالى: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ) [4]

السَّلَامُ [5] :

السَّلَامُ: لفظ مشترك لمعان منها الِاسْتِسْلَامُ، والِاسْمُ مِنَ التَّسْلِيمِ. والسَّلَامُ أيضا اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. ويعني على قول: الْبَرَاءَةُ مِنَ الْعُيُوبِ. والسَّلَامَةُ هي التعري من الآفات الظَّاهرة والباطنة، فمن الظاهرة قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ

(1) سورة السجدة: 17.

(2) المحرر 5/ 166، البحر 9/ 539.

(3) رواه البخاري باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة 4/ 118 برقم 3244.

(4) سورة ق/34.

(5) الصحاح مادة سلم 5/ 1951، بصائر ذوي التمييز 3/ 252.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت