الصفحة 11 من 21

سَلِيمٍ) [1] ، أي: من الدّغَل (الفساد) ، هذا في الباطن، وأما الظاهر كقوله تعالى: (مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا) [2] . يقال: سَلِمَ يسلَم سلامةً، وسَلاَمًا، وسلَّمه الله.

ومعنى (ادخلوها بِسَلامٍ) أي: يقال للمؤمنين يوم القيامة: ادخلوا الجنة، بسلامة من الهموم والعذاب والغضب وزوال النعم وما كنتم تلقونه في الدنيا من المكاره، أو مسلما عليكم يسلم عليكم الله وملائكته [3] .

أثر الآية في الدعوة إلى الله

خلق الله الإنسان وغرز فيه حب البقاء في هذه الدنيا، والابتعاد عن كل ما يسوءه أو يؤذيه، فأحب شيء إلى الإنسان أن يعيش سالما لا يؤذيه شيء سواء أكان هذا الأذى مادي أو معنوي، وهذه النظرة هي الأصل في الإنسان، ولكنها مختلفة بين المؤمن والكافر، فالكافر المنكر للآخرة وما أعده الله فيها من النعيم والعذاب، يسعى جاهدا في أن لا يناله الأذى في الدنيا؛ لأنه لا يرى غيرها فيبذل كل شيء من أجل السلامة فيها مما يؤذيه في نفسه أو أهله أو ماله وغير ذلك كما قال تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) [4] .

أما المؤمن بالله واليوم الآخر فإنه قد أيقن أن السلامة الحقيقية لا تكون إِلا في الجنة؛ لأن فيها بقاء بلا فناء، وغنىً بلا فقر، وعزًّا بلا ذلّ، وصحّة بلا سقم. فهو أيضا يريد السلامة لكن مفهومها لديه يختلف عما عند الكافر، فتراه مهتما بأمر المسلمين، آمرا بالمعروف وناه عن المنكر وإن ناله ما ناله من أذى، متحملا الجوع والعطش في الصيام، وألم الجراح في الجهاد، وفقر للحال من قناعة أو بذل وإنفاق وغير ذلك؛ لأنه علم أن الجنة حفت بالمكاره وأن النار حفت بالشهوات كما أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» [5] .

(1) سورة الشعراء/89.

(2) سورة البقرة/71.

(3) ينظر: جامع البيان 21/ 453، الوسيط 4/ 168، الكشاف 4/ 390، البحر المحيط 9/ 540.

(4) سورة البقرة/96.

(5) رواه مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها 4/ 2174 برقم 2822.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت