كفرهم، وفي هذه الآية تقرير لوحدة العقيدة ووحدة الرسالات من حيث دعوتها جميعا لتوحيد الله وعدم الإشراك به شيئا. فكل من كذب برسول من الرسل والأنبياء (عليهم السلام) فقد كذب بهم أجمعين؛ لأنه كذب بالرسالة الواحدة التي جاء بها الرسل أجمعون، وهي توحيد الله تعالى وطاعته فيما أمر ونهى، فوجب نزول العذاب عليه. (فَحَقَّ وَعِيد) أي: فنزل بهم عذابي، وهلك كل من عصاني. فلا يضيق صدرك من كفر قريش بك فقد تشابهت قلوبهم بقلوب من سبقوهم من الأمم السابقة. وكما هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فهو خطاب لنا نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأن خطاب الرسول خطاب لأمته ما لم يرد دليل التخصيص كما هو مبين في الأصول [1] ، فتكون الآية لنا بيانا أيضا بأن لا يضيق صدرنا بكفر من كفر وتكذيبهم للإسلام لأن هذا هو طبع من لم يؤمن بالله تعالى ولم يذق طعم الهداية والرشاد.
قال تعالى: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) [2]
جهنم [3] :
جهنم: علم للنار التي يعذب الله بها من استحق العذاب في الآخرة، وقيل: اسم الدرك الأسفل فيها. وهي أعجمية لا تنصرف للعجمة والتعريف. وبه قال أكثر النحويين. وقال آخرون: هي عربية لم تصرف للتأنيث والعلمية. وقد سمت بذلك لبعد قعرها. قال: بئر جَهَنَّامٌ: إذا كانت بعيدة القعر.
ورد عند المفسرين في تفسير الآية آراء وكما يأتي [4] :
1.يقول الله تعالى: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) هذا الخطاب بلفظ التثنية للمفرد على عادة العرب، في خطابهم للواحد: ارحلاها وازجراها. ومن كلامهم: يا حَرسيُّ اضربا عُنقه. والمعنى: ألق ألق، فالثانية للتأكيد ومثله:
قِفا نبك من ذِكرى حبيبٍ ومنزل ... بسِقطِ اللّوى بينَ الدَّخول فَحَوْمَلِ [5] .
(1) ينظر: أصول الفقه المؤلف: محمد بن مفلح، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الحنبلي (المتوفى: 763 هـ) تحقيق: الدكتور فهد بن محمد السَّدَحَان الناشر: مكتبة العبيكان الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 1999 م 2/ 861.
(2) سورة ق/24.
(3) البحر المحيط ينظر: الصحاح مادة (جهنم) 5/ 1892، لسان العرب فصل الجيم 12/ 112.
(4) الوسيط 4/ 167، غرائب التفسير 2/ 1132، الكشاف 4/ 387.
(5) ديوان امرِئ القيس المؤلف: امْرُؤُ القَيْس بن حجر بن الحارث الكندي، (المتوفى: 545 م) اعتنى به: عبد الرحمن المصطاوي الناشر: دار المعرفة - بيروت الطبعة: الثانية، 1425 هـ - 2004 م 1/ 159.