بعد عرض الأقوال في تعريف الكبائر بالعد، وعرفنا شيئا مما استندوا إليه تبين لنا: أن ما ذُكر عدده في الأحاديث ليس للحصر، وقد أجاب العلماء على الاقتصار في بعض الأحاديث على ذكر عدد معين كسبع مثلا، وذلك بأجوبة عديدة، منها [1] :
-أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعلم بالكبائر المذكورات أولا، ثم أعلم بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد.
-أن الاقتصار وقع بحسب المقام، بالنسبة للسائل أو من وقعت له واقعة، فذكر ما يناسب السائل أو صاحب الواقعة وترك الباقي لعدم السؤال عنه أو لعدم تعلقه بالواقعة [2] .
والدليل على هذا أن الأحاديث وردت مختلفة في عدها، وعليه اختلف من حصرها في العدد المنصوص الذي ورد في النص الراجح عنده، ولم يثبت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حدها في عدد معين لا يزاد عليه ولا ينقص منه؛ لذا وجب التسليم بكل ما وردت به النصوص دون حصر، ومن حصرها اجتهد في ذلك سندا ومتنا ومعنى.
قال الزركشي [3] :"وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَنْحَصِرُ، إذْ لَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ السَّمْعِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ حَصْرُهَا"
وقال ابن حجر [4] :"وَيُحْتَاجُ عِنْدَ هَذَا إِلَى الْجَوَابِ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى سَبْعٍ، وَيُجَابُ: بِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَهُوَ جَوَابٌ ضَعِيفٌ، وَبِأَنَّهُ أَعْلَمَ أَوَّلًا بِالْمَذْكُورَاتِ ثُمَّ أَعْلَمَ بِمَا زَادَ، فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِالزَّائِدِ، أَوْ أَنَّ الِاقْتِصَارَ وَقَعَ بِحَسَبِ الْمَقَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلسَّائِلِ، أَوْ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَقد أخرج الطَّبَرِيّ وَإِسْمَاعِيل القَاضِي عَن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ:"الْكَبَائِرُ سَبْعٌ؟ فَقَالَ: هُنَّ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ وَسَبْعٍ"وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ:"هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ"وَفِي"
(1) ـ تفسير ابن كثير 1/ 481 - 486، وفتح الباري 10/ 149، وتفسير القرطبي 5/ 160، والبحر المحيط للزركشي 4/ 276.
(2) ـ قال ابن حجر الهيتمي في"الزواجر" (1/ 14) :"وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا ذَكَرَهُ كَذَلِكَ قَصْدًا لِبَيَانِ الْمُحْتَاجِ مِنْهَا وَقْتَ ذِكْرِهِ لَا لِحَصْرِ الْكَبَائِرِ فِي ذَلِكَ"
(3) ـ"البحر المحيط" (6/ 154) ؛ للزركشي.
(4) ـ"فتح الباري" (12/ 183) ؛ لابن حجر.