الصفحة 18 من 26

كما قال الكلبي، أو أن أبا هريرة وابن عباس ألحقا من ارتكب الكبيرة مرة واحدة - ولم يصر عليها، بل حصلت منه فلتة في عمره - باللمم، ورأيا أنها إنما تتغلظ وتكبر وتعظم في حق من تكررت منه مرارًا عديدة، وهذا من فقه الصحابة - رضي الله عنهم - وغور [1] علومهم، ولا ريب أن الله يسامح عبده المرة والمرتين والثلاث، وإنما يخاف العنت على من اتخذ الذنوب عادته، وتكرر منه مرارًا عديدة" [2] ."

3 ــــ قوله عز وجل: [وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا] (الكهف: 49) ، وقوله تعالى: [وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ] (القمر: 53) [3] .

4 ـــــ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} (الحجرات: 7) .

وجه الدلالة: جَعَلَ الْفُسُوقَ وَهُوَ الْكَبَائِرُ تَلِي رُتْبَةَ الْكُفْرِ، وَجَعَلَ الصَّغَائِرَ (العصيان) تَلِي رُتْبَةَ الْكَبِيرَةِ [4] .

قال الرازي [5] :"وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمَنْهِيَّاتِ أَقْسَامٌ ثَلَاثَةٌ: أَوَّلُهَا: الْكُفْرُ، وَثَانِيهَا: الْفُسُوقُ. وَثَالِثُهَا: الْعِصْيَانُ، فَلَا بُدَّ مِنْ فَرْقٍ بَيْنَ الْفُسُوقِ وَبَيْنَ الْعِصْيَانِ لِيَصِحَّ العطف، وما ذلك إِلَّا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّغَائِرِ وَبَيْنَ الْكَبَائِرِ، فَالْكَبَائِرُ هِيَ الْفُسُوقُ، وَالصَّغَائِرُ هِيَ الْعِصْيَانُ"

ثانيا: الأدلة من السنة.

(1) ـ أي: عمق علمهم، فغور كل شيء: قعره. يقال: فلانٌ بعيد الغَوْرِ. ينظر"الصحاح"للجوهري مادة: غور. وهو كناية عن الفهم الذي يبعد عن أكثر الناس، ولا يصل إليه إلا من اجتهد فصار بينه وبين غيره من الكسالى بون شاسع في العلم، فكأن ما علمه المجتهد في العلم في عمق لا يمكن الوصول إليه بسهولة كالماء في قعر البئر العميق.

(2) ـ (( مدارج السالكين ) ) (1/ 343 - 345) ، وانظر: (( تفسير القرآن العظيم ) )لابن كثير (4/ 255، 256) .

(3) ـ ذكر ابن تيمية في (( مجموع الفتاوى ) ) (11/ 659) هذه الآية والتي قبلها مستدلا بهما على هذا التقسيم للذنوب.

(4) ـ"البحر المحيط" (6/ 152، 153) ؛ للزركشي.

(5) ـ"مفاتيح الغيب" (10/ 60) ؛ للفخر الرازي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت