الصفحة 22 من 26

يقول صاحب"تهذيب الفروق":"اختلفوا أولًا في أن إطلاق لفظ صغيرة على معصية الله تعالى هل يمنع إجلالا له وتعظيمًا لحدوده إلا في محل تبيين تفاوت الذم والعقاب إن نفذ الوعيد، أو يجوز مطلقا) [1] ."

وقال الزركشي [2] :"وَلَعَلَّ أَصْحَابَ هَذَا الْوَجْهِ كَرِهُوا تَسْمِيَةَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ صَغِيرَةً؛ إجْلَالًا لِلَّهِ وَتَعْظِيمًا لِأَمْرِهِ، مَعَ أَنَّهُمْ وَافَقُوا فِي الْجَرْحِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِمُطْلَقِ الْمَعْصِيَةِ"

وحجتهم في هذا ما روي عن ابن عباس من أن جميع المعاصي كبائر بالنسبة إلى أنها معصية لله لوجهين: أَحَدُهُمَا: كَثْرَةُ نِعَمِ مَنْ عَصَى. وَالثَّانِي: إِجْلَالُ مَنْ عَصَى، فَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْأَوَّلَ فَنِعَمُ اللَّه غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، كَمَا قَالَ: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها [النحل: 18] وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الثَّانِي فَهُوَ أَجَلُّ الْمَوْجُودَاتِ وَأَعْظَمُهَا، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عِصْيَانُهُ فِي غَايَةِ الْكِبَرِ، فَثَبَتَ أَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فَهُوَ كَبِيرَةٌ [3] .

1 -من قال: إنها سميت كبائر بالنسبة لما دونها، أو كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة يقتضي أن الذنوب في نفسها لا تنقسم إلى صغائر وكبائر، وهذا فاسد، لأنه خلاف النصوص الدالة على تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر [4] . وقد دلت النصوص الصريحة على التقسيم السابق.

وعورض ما روي عن ابن عباس في ذلك: بأنه ـ سبحانه وتعالى ـ أرحم الراحمين وأغنى الأغنياء عن طاعات المطيعين، وكل ذلك يوجب خفة الذنب وإن سلم أن الذنوب كلها كبائر من حيث إنها ذنوب ولكن بعضها أكبر من بعض وذلك يوجب التفاوت [5] .

(1) ـ"تهذيب الفروق"هامش"الفروق"للقرافي جـ 1 ص 134.

(2) ـ"البحر المحيط" (6/ 152، 153) ؛ للزركشي.

(3) ـ"تفسير النيسابوري" (2/ 403، 404) ؛ للحسن بن محمد النيسابوري. وينظر:"مفاتيح الغيب" (10/ 60) ؛ للفخر الرازي.

(4) ـ (( شرح الطحاوية ) ) (ص 419) ، وانظر: (( مجموع الفتاوى ) ) (11/ 657) ،"مفاتيح الغيب" (10/ 60) ؛ للفخر الرازي ..

(5) ـ"تفسير النيسابوري" (2/ 403، 404) ؛ للحسن بن محمد النيسابوري. وينظر:"مفاتيح الغيب" (10/ 60) ؛ للفخر الرازي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت