الصفحة 5 من 14

فمثال النُّصح: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ارجعي إلى زوجك ) )قالت: أتأمُرني؟ قال: (( لا، إنما أنا شافع ) )، فالصيغة قد يُفهم منها الأمر، لكن عند التحقُّق فإنه ليس بأمر، بل الشفاعة المتضمِّنة النُّصح.

ومثال العرض: ما ورد في حديث جابر وقصته مع جمله الذي أعيا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( بِعْنِيه ) )ليس بأمر، ولكنه عَرْض؛ إذ لو كان أمرًا لوجَب على جابر أن يبيعَه، وقد ورد في الحديث خلافُ ذلك في بادئ الأمر ... إلخ الحديث.

(2) من خلال التَّنبيه السابق نستطيع أن نتساءل: ما الفرق بين العلوِّ والاستعلاء؟

الجواب: العلوُّ صفةٌ تعلو بالمتكلِّم، فهو في نفسه حقيقة أعلى من المأمور.

وأما الاستعلاء: صفة تتعلق بالكلام، فيخرج الكلام بما يشعر بالترفُّع على المأمور بالصيغة، وإن لم يكن في الحقيقة مترفعًا [1] .

(3) في تقييد الأصوليِّين الاستدعاءَ"بالقول"محلُّ نظر؛ فإنهم قيَّدوا الأمر به، وخرَج بذلك الإشارةُ والكتابة، وذهب الشيخُ ابن العثيمينِ رحمه الله إلى أنهما قد يكونان أمرًا، واستدلَّ على ذلك بما يلي:

(أ) أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم عندما صلَّى قاعدًا، فصلَّوا خلفه قيامًا، فأشار إليهم أنِ اجلسوا؛ (أي: إنه أشار إليهم) .

قال رحمه الله: والصحيح أنه أمر بدليل أنَّهم امتَثلوا وجلسوا.

(ب) أن الله أنزل التوراةَ مكتوبةً؛ كما قال تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف: 145] ، فهل نقول: إن الأوامر التي في التوراة ليست أمرًا؟ لا، لا نقول: إنها ليست أمرًا، بل نقول: هي أمر، وبناء على ذلك يَرى الشيخ رحمه الله أن يعرَّف الأمر:"هو طلبُ الفعل على وجه الاستعلاء بصيغةٍ معلومة". وقال: قلنا: (بصيغة معلومة) حتى تشمل القول والكتابة والإشارة.

(1) مثال ذلك: لو أن العبد اعتدى على سيده، وتمكّن من إيذائه فأمرَه، فإنَّ هذا استعلاء؛ لأنه يَرى أنه متمكِّن منه، مستعلٍ عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت