صيغة الأمر المجردةُ من القرائن تدل على الوجوب، وهذا مذهب عامة الفقهاء، فمَن يُقتدى بهم؛ كالأئمة الأربعة وغيرِهم، وخالفَهم في ذلك بعضُ العلماء، فمنهم مَن يقول بالنَّدب، ومنهم من يقول بالإباحة، ومنهم من يقول بالاشتِراك.
والصحيح هو القول الأول القائل بالوجوب، وقد تواترَت الأدلة على صحته.
(1) قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] .
فلو كان الأمر لغير الوجوب لما حذَّر المخالفَ بهذه التحذيرات؛ لأنها لا تكون على تركِ مندوبٍ، أو تركِ مباح.
(2) قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] ؛ الآية.
قال القرطبيُّ: وهذا أدلُّ دليل على ما ذهَب إليه الجمهور من أنَّ صيغة"افعل"للوجوب في أصل وضعِها، ثم علَّل ذلك فقال:"لأن الله تبارك وتعالى نفى خِيَرة المكلَّف عند سماع أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم أطلقَ على من بقيَت له خيرةٌ عند صدور الأمر اسم المعصية، ثم علق على المعصية بذلك: الضلال، فلزم حملُ الأمر على الوجوب" [1] .
(1) قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواك عند كل صلاة ) ).
فهذا يدل على أن الأمر للوجوب؛ لأنه لو كان الأمر للندب لا يكون سببًا للمشقَّة على المكلف؛ لأنه في سعةٍ من فعله وتركه.
(1) الجامع لأحكام القرآن (14/ 188) .