-بالتدليس المؤسس، ثم يتبعه الدليل المؤكد المقوى [1] ، ويقول بالأولى والأجدر [2] ، ويسلك سبيل المناطقة - كما يسلك أستاذه سبيلهم - في اتخاذ أساليبهم فيظهر عنده القياس الاستثنائي [3] ويذكر العموم والخصوص الوجهي [4] ؛ ويقسم التقسيم المنطقي [5] : ويناظر ويقايس [6] ؛ ويغرم غرامًا شديدًا بذلك، حتى إنه يقول:"إنَّ مسألة واحدة من القياس أنبل وأنبه من كتاب لغة عند عيون الناس" [7] ، ويهدم القياس بما بيْن المقيس والمقيس عليه من فارق [8] ، وأوضح البراهين عنده ما كان ملحقًا بالبراهين الهندسية [9] : يذكر المقدمات التي تنتهي به إلى نتيجة يصدرها بقوله: فقد ثبت كذا وكذا [10] ، وما أشبه ذلك بالاستنتاج الذي يعقب خطوات البرهان على النظريات الهندسية.
كذلك مما يقفو فيه ابن جني قفو شيخه استغلال مسائل العروض والقوافي في التدليل والاحتجاج، ولا أطيل القول بالتمثيل بل حسبي أن أشير إلى بعض الصفحات التي ورد فيها هذا الاتجاه [11] .
وابن جني معتد - كشيخه - بأبي الحسن الأخفش، وإنك لترى مظهر هذا الاعتداد في قوله حيث يدفع عنه: على أن أبا الحسن قد كان صنف في شيء من المقاييس كتيبًا إذا أنت قرنته بكتابنا هذا علمت بذاك أنا أنبنا عنه فيه، وكفيناه كلفة التعب به، وكافأناه على لطيف ما أولاناه من علومه المسوقة إلينا المفيضة ماء البر والبشاشة علينا، حتى دعا ذلك أقوامًا نزرت من معرفة حقائق هذا العلم حظوظهم، وتأخرت عن إدراكه أقدامهم إلى
(1) انظر:"الخصائص"1/ 25.
(2) انظر: 1/ 117، 127، 279.
(3) انظر: 1/ 336.
(4) انظر: 1/ 15.
(5) انظر: 1/ 329.
(6) انظر: 1/ 112، 113.
(8) انظر"الخصائص"1/ 155.
(10) انظر 1/ 30.
(11) انظر: 1/ 73، 85، 242، 338، 464.