الصفحة 18 من 49

هو رجل وهب حياته لله تعالى، فدعا إلى الله على بصيرة، شاهدًا لله سبحانه وتعالى أنه لا إله إلا هو، قائمًا بالقسط، مدافعا عن التوحيد الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ونابذا للشرك بأنواعه، متصديا لجميع البدع والأهواء التي ظهرت منذ مقتل الخليفة الراشد الثالث رضي الله عنه.

فشيخ الإسلام لم يألو جهدا في تفنيد أصول الفلاسفة وأذنابهم، والرافضة وأكاذيبهم، والباطنية وخبثهم ونفاقهم، والصوفية وعقائدهم الفاسدة وترهاتهم، والمتكلمين وخلفائهم وتأويلاتهم الباطلة، والمقلدين وعبادتهم لشيوخهم وتعصبهم لآرائهم، والنصارى وضلالهم، واليهود ومكرهم، فألف في كل ذلك مئات المجلدات والرسائل؛ إظهارا وإحقاقا للحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وإبطالا للباطل الذي جاء به أولئك.

كما لم يألو جهدا في الدفاع عن الأمة عندما داهمها خطر التتار، فجرد سيفه لقتالهم، وجمع الجموع لملاقاتهم ووحد صفوف المسلمين لحربهم، وخاض المعارك ونصره الله عليهم، وأعزه وجند المسلمين.

عاش رحمه الله تعالى عازفا عن الدنيا وملذاتها، بعيدا عن زخرفها وغرورها، متعبدا زاهدا، له أوراد في الذكر والعبادة يعجز عنها كبار العباد والزهاد، قد بلغ الذروة في كل شيء خاض فيه، جعله الله إماما وقدوة للناس من أهل الخير، ونموذجا للعلماء، وشوكا في حلوق أعداء السنة والملة من وقته إلى الآن، وكان من تلاميذه جهابذة الأمة في كل فرع من فروع العلم، فابن كثير إمام المؤرخين والمفسرين، والذهبي علم المحققين، والحافظ المزي إمام من أئمة النقل والرجال والحديث، وابن عبد الهادي علم التحقيق، وابن القيم إمام الأمة وفارسها، وروحاني الإسلام، وغير هؤلاء كثير.

فإمام مثل ابن تيمية حباه الله تعالى بمزايا وجمعها فيه، في حين فرقها في غيره من علماء الأمة، فكثر حساده وشانئوه، في حياته وبعد مماته، فحبره سيل جرار، وكتبه سهام وأنوار تنسف كل زيف وبهتان وكل تضليل وهذيان، فعمد أولئك الحاقدون إلى كتبه يفتشون وينقبون، لعلهم يظفرون بشيء ينالون به منه، وهو غير معصوم، فلما عجزوا لجأوا إلى الافتراء والكذب، والتلفيق والتزوير،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت