الصفحة 41 من 49

ثانيا: إن كل من رأى ابن تيمية أو اطلع على كتبه وقرأ تراجمه عند أهل العدل والإنصاف يعلم أن شيخ الإسلام كثير العبادة والابتهال والدعاء بالساعات الطوال، مما لا يقدر عليه كبار العباد والصالحين بشهادتهم على أنفسهم، فلا وجه لاتهامه بقسوة القلب وعمايته، فإنها حال العصاة والمبتدعة الذين تمرسوا في بدعهم ومعاصيهم، وتمردوا على الحق، وشردوا شرود البعير.

وأما قوله: (والله قد صرنا ضحكة في الوجود، فإلى كم ننبش دقائق الكفريات الفلسفية لنرد عليها بعقولنا، يا رجل قد بلعت سموم الفلاسفة ومصنفاتهم مرات، وبكثرة استعمال السموم يدمن عليها الجسم وتكمن والله في البدن) ، وجوابه كالآتي:

أولا: إن شيخ الإسلام قد نسف عقول الفلاسفة وفند أصولهم كما لم يفعل أحد مثله، فقد استوعب مقولاتهم ورد عليها بالدليل من الكتاب والسنة، وألزمهم بالعقل الصريح الموافق للنقل الصحيح، بخلاف غيره ممن عظم عقلا مبتدعا فأفسد أكثر مما أصلح.

ثانيا: ما الضير في استعمال العقل في المناظرة والرد على المخالف؛ إذا لم يخالف آية أو حديثا صحيحا، فالعقل الصريح ليس عدوا للنقل الصحيح إلا عند من ليس له عقل، أو كبل عقله بأغلال الجهل والهوى والتعصب؛ مثل الصوفية والرافضة ونحوهم ممن طار عقله ولم يعد.

ثالثا: إن شيخ الإسلام لم يتأثر بل كان مؤثرا، فهو عاش سنيا ومات سنيا، متشبعا بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يدعو إليهما، ويجاهد عنهما؛ يعتقد أن الفلسفة كفر بعيد وضلال سحيق، اجتهد في نسفها وحماية الناس منها، وقد توفي رحمه الله تعالى وهو يقرأ القرآن، بخلاف غيره، الذين ندموا على ما عاشوا عليه وخاضوا فيه وعظموه من الكلام والفلسفة وتابوا إلى الله تعالى، كالرازي والجويني والغزالي ونحوهم، وأيضا بخلاف غيره ممن بلع الفلسفة وبلعته، ولم يؤثر أنه تاب منها كابن سينا وابن عربي وابن سبعين ونحوهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت