واليوم يواجه المسلمون تحدِّيًا خطيرًا يتمثل في النظام العالمي الجديد، الذي يهدف إلى تعميم النموذج الغربي سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وعلميًّا، وفرض سيطرته وهيمنته على الشعوب المستضعفة، ولا سيما الشعوب الإسلامية المغلوبة على أمرها [1] ، مع السعي إلى اختراق خصوصيات الغير، وطمس القسمات التي تتشكل منها شخصيات الأمم والشعوب الأخرى، خاصة المستضعفة منها، ويسخر أنصار هذا النموذج كل إنجازاتهم العلمية والتقنية، وقدراتهم الاقتصادية، وإمكاناتهم الإعلامية، بل وقوتهم العسكرية إذا اقتضى الأمر، لفرض تصوراتهم الخاصة عن السلام والأمن وحقوق الإنسان، وغير ذلك من القضايا [2] .
في ضوء هذه الحقائق، ينبغي وضع المحاولات الرسمية لتوطين المسلمين في الغرب في إطارها الصحيح، إن للدول الغربية مبادئ وأعرافًا وقوانين لا تسمح لأحد أن يتجاوزها، مواطنًا كان أو مقيمًا، مع ترك هامش من الحريات نتيجة للتطور الدولي - ولو نظريًّا - في مفهوم حقوق الإنسان، وهذا الهامش يَضيق أو يتسع تبعًا لاختلاف الزمان والمكان، فلا يسمح في مدرسة علمانية مختلطة لتلميذة بأن ترتدي حجابًا سابغًا يميزها عن غيرها من التلميذات، وتقاطع الأنشطة الرياضية، وتضع إصبعيها في أذنيها أثناء حصة الموسيقا .. إلخ، وإنما يسمح لها - في مطعم المدرسة - بأن تطلب طعامًا مختلفًا عما يتناوله الجميع، لا يتضمن لحم خنزير أو شحمه، ولا يدخل فيه نوع من الخمور، ولا يسمح لمسلم عاطل عن العمل أن يتزوج من ثلاث زوجات وينجب خمسة وثلاثين طفلًا، ثم يطالب بحقه في الضمان الاجتماعي والمعونات الأسرية.
وفي كثير من الدول الغربية يخصص للمسلمين مكان لدفن موتاهم، وأماكن لإقامة شعائرهم، وأجزاء من المذبح لتذكية حيواناتهم وطيورهم، وبعض الأوقات في المستشفى لختان ذكورهم، وبرامج خاصة في وسائل الإعلام لتوضيح مبادئ الإسلام، وإعلان بداية ونهاية شهر رمضان.
وفي بعض هذه الدول تعترف المحاكم بما يجري في المراكز الإسلامية الموثوقة من زواج وقسمة ميراث، فتصادق عليه، وتسبغ عليه الشرعية القانونية المشمولة بالنفاذ، ما دام غير مخالف للنظام العام وحسن الآداب، وكذلك الحال بالنسبة للمصادقة على قرارات التحكيم التي استوفت الشكل والإجراءات المتبعة.
ومع ذلك، فإن الرغبة الرسمية، ومحاولات الأحزاب اليمينية، تنزع إلى تذويب المسلمين - مواطنين ومقيمين - في مجتمع الأغلبية حتى يتم التجانس وتنمحي الفروق.
وتواجه الأقليات المسلمة في الغرب هذه المحاولات وتلك الرغبة بالتفاعل داخل المجتمعات الغربية، وهو ما نخصص له المطلب الثاني من هذه الدراسة.
(1) المرجع السابق، ص 133 - 136.
(2) المرجع نفسه، ص 135.