وحين تعاد صياغة السؤال هكذا، فإن الفتوى عندئذٍ سوف تستند إلى قاعدتين ذهبيتين تحكمان مدى إسهام المسلمين في الغرب في الأنشطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية إذا اقتضى ذلك مطلب المواطنة.
أما القاعدة الأولى: فقد نص عليها القرآن الكريم: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8، 9] ، وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن الأحكام التي وردت في هاتين الآيتين لم تنسخ، وأن صلة الكافر المسالم وبرَّه والإحسان إليه والتعامل معه من مكارم الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم [1] .
والقاعدة الأخرى: استخلصها علماء الأصول والفروع من مجموعة أدلة وتطبيقات عملية ومقتضيات مقاصد الشرع الإسلامي، ومضمون القاعدة: ما حُرِّم سدًّا للذريعة أخفُّ مما حرِّم تحريمَ المقاصد [2] ، أو: ما حرِّم للذريعة يباح للمصلحة الراجحة [3] ، أو: ما كان منهيًّا عنه للذريعة فإنه يفعل لأجل المصلحة الراجحة [4] .
وفي ظل هاتين القاعدتين لا يجوز تعميم الحكم على كل بيئة وفي مختلف الظروف، وإنما تتغير الإجابة عن السؤال المطروح بتغير المجتمعات، ومساحة هامش الحريات المسموح به للأقلية المسلمة، ومدى توافق أو تصادم الممارسة مع الثوابت التي ذكرت في الفرع الأول - قبل قليل - وعندها تكون الفتوى منتجة؛ لأنها تراعي كافة الملابسات، وتنطلق من الواقع الحي الملموس [5] .
الفرع الثالث
تحاكم المسلمين في الغرب أمام القضاء غير الإسلامي [6] :
احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية - في الوقت الراهن - من الأمور التي عمَّت بها البلوى؛ فأغلب البلاد الإسلامية واقعة تحت تأثير خارجي شرس يمنعها من تطبيق الشرع الإسلامي؛ فالقضاة الذين يحكمون على المسلمين في الأموال والدماء وأحوالهم الشخصية منهم المسلم ومنهم غير المسلم، والقانون الذي يحكم به على المسلمين خليط من قواعد إسلامية وقواعد غير إسلامية، وهذه الدول الإسلامية ترتبط بمواثيق ومعاهدات
(1) الطبري، جامع البيان: 29/ 304، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 18/ 59، ابن العربي، أحكام القرآن: 4/ 1785، ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: 4/ 373.
(2) ابن القيم، إعلام الموقعين، ط. دار ابن الجوزي: 3/ 405.
(3) ابن القيم، زاد المعاد، ط. مؤسسة الرسالة: 3/ 427.
(4) ابن تيمية، مجموع الفتاوى: 22/ 298.
(5) ينظر في هذا الموضوع: قرارات المؤتمر الثاني لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا (1425 هـ) ، وعلى الأخص القرار (2/ 1) الخاص بالتعامل مع غير المسلمين.
(6) المرجع نفسه، القرار (2/ 2) وعنوانه: العمل القضائي خارج ديار الإسلام، ما يحل منه وما يحرم.