المطلب الثاني
تفاعل الأقليات المسلمة داخل المجتمعات الغربية
يتناول هذا المطلب بيان بعض الأحكام الشرعية للممارسات التي تقع من المسلم في بلد غير إسلامي، مواطنًا كان أو مقيمًا، وننبه منذ البداية إلى أن خصوصية المجتمع الذي تعيش الجاليات المسلمة داخله، لا يجوز أن تحول هذه الأحكام من وضعها المعتاد الذي يطبق على الأمة الإسلامية إلى وضع مختلف يتلمس الرخص، ويفتش عن الضرورات، وينتقي الحاجات؛ فالمسلمون في الغرب يمثلون كيانًا ناميًا ينبغي أن تكون له رسالة سامية في وطنه الجديد، تنبع من هويته الإسلامية، وبدون أن تنقطع صلته بأمته الكبرى، وخطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين لا يفرق بين مسلم في الشرق وآخر في الغرب، غاية الأمر أن الظروف المحيطة بالجاليات المسلمة تتطلب ممن يتصدى للإفتاء أن يكون على قدر من فقه النفس وبُعْدِ النظر وسَعة الصدر ورجاحة الفكر.
الفرع الأول
الثوابت الإسلامية المعرضة للتغيير في الغرب
من العبارات المتداولة في كتب الأصول والفروع ما نقل عن الغزالي في المستصفى:"ومقصود الشرع من الخَلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم؛ فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوِّت هذه الأصول فهو مفسَدة، ودفعها مصلحة" [1] .
هذه هي الثوابت الإسلامية التي ينبغي على المسلم أن يراعيها في نفسه، وأن يتعهدها فيمن يرعاه ويسأل عنه.
وهذه المقاصد تمتاز بأنها مقاصد إلهية ربانية تتصف بالإتقان والإحكام والكمال، وتراعي حاجات الإنسان وغرائزه التي جبل عليها، {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] ؛ ولذلك وصفها الشاطبي بقوله:"لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجرِ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوتِ حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين" [2] .
1 -وأهم هذه المقاصد: حفظ الدين؛ بإقامة أركانه المجمع عليها، وترك المحرمات المتفق على حرمتها [3] ، والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة.
(1) الغزالي، المستصفى، طبعة الجندي، ص 251.
(2) الشاطبي، الموافقات: 2/ 8.
(3) ابن تيمية، مجموع الفتاوى: 28/ 186.