المطلب الأول
الحفاظ على هوية المسلمين خارج البلاد الإسلامية
تمهيد:
كانت أمة الإسلام تعيش في دولة واحدة، لا يفصل بين أقاليمها الشاسعة حدود سياسية، ولا يتطلب الانتقال من مكان إلى آخر فيها جواز سفر، أو تأشيرة دخول أو خروج.
ثم تحولت هذه الدولة الواحدة إلى دول عديدة مستقلة ذات سيادة، وظهرت فيها فكرة"المواطنة"بالمعنى الذي أفرزه القانون الدولي المعاصر، بحيث صار من العسير - إن لم يكن مستحيلًا - أن ينتقل المسلم من دولة"إسلامية"إلى دولة"إسلامية"أخرى للإقامة فيها، والحصول على نفس الحقوق والواجبات المقررة لمواطنيها.
ومع التطور الحضاري في كثير من الدول غير الإسلامية، وحاجتها إلى العقليات المتميزة والأيدي العاملة ورؤوس الأموال المجمدة، فتحت أبواب الهجرة إليها، ورغبت في الإقامة على أرضها، ويسرت الحصول على حق المواطنة بالميلاد على إقليمها، أو الزواج من رعاياها، مما شجع الكثير من المسلمين على اللجوء إليها؛ طلبًا لحق مهدر، أو هربًا من ظلم واقع، أو التماسًا لعلم نافع، أو استثمارًا آمنًا للأموال، وساعدهم على ذلك شيوع المفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان، وانتشار الجمعيات التي تسهر على رعايتها، ووجود القوانين التي تجبر القضاء على رد الحقوق لأصحابها ومعاقبة من يعتدي عليها.
يضاف إلى ذلك عنصر فاعل يلحظُه كل من يعيش في دول غير إسلامية، وهو أن الإسلام ينتشر بنفسه وبدون قوة مساعدة، رغم تخلف الدول الإسلامية المعاصرة؛ علميًّا وخلقيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، وصدق الله العظيم: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32، 33] ، وصدق رسوله الكريم: (( ليبلُغَن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يتركُ الله بيتَ مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلاًّ يذل الله به الكفر ) ) [1] .
وهكذا صار عدد المسلمين في أستراليا وأمريكا وغرب أوروبا - من المواطنين والمقيمين - يربو على العشرين مليونًا [2] ، وهم بحاجة إلى من يساعدهم للحفاظ على هويتهم الإسلامية، ويعصمهم من الذوبان في المجتمعات التي يعيشون فيها.
الفرع الأول
تحصين المسلمين خارج البلاد الإسلامية
(1) مسند أحمد، عن تميم الداري.
(2) نحن لا نعتبر المسلمين في أوروبا الشرقية والهند وجمهوريات آسيا ونحوها من الأقليات أو الجاليات؛ لأنهم مجتمعات إسلامية متكاملة، وإن كانوا بحاجة إلى الرعاية.