الصفحة 17 من 22

في ختام هذا البحث الذي يلقي بعض الضوء على عوامل التوفيق بين التقيد بالثوابت وبين مقتضيات المواطنة للمسلمين خارج البلاد الإسلامية، نخلص إلى أن الأقليات المسلمة في الغرب لم تعد مجرد أفراد أو جماعات تقيم بصفة مؤقتة وقد تعود إلى موطنها الأصلي، وإنما أصبحت هذه الأقليات كيانًا ناميًا يتضمن الملايين من المواطنين والمقيمين في الغرب، ينبغي تحصينهم ضد تفرقهم شيَعًا وأحزابًا متنافرة، للحفاظ على هويتهم الإسلامية، وتعهد الأجيال المتعاقبة فيهم حتى لا تذوب في المجتمعات الغربية المحيطة بهم.

ويتحقق ذلك بنشر الوعي الفكري وثقافة الإسلام الوسطية، وتشجيع إقامة الاتحادات والروابط التي ترعى شؤونهم، وتؤمن لهم حياة هادئة يمكنهم من خلالها ممارسة شعائرهم والدعوة إلى الله بحرية وإحسان.

وإذا كان ذلك يعتمد في المقام الأول على الأقليات المسلمة ذاتها، فإنه لا يسقط واجب الأمة الإسلامية: أفرادًا وحكومات، وهيئات ومنظمات، الذي يحتم عليها مؤازرة الأقليات المسلمة ماديًّا ومعنويًّا، لمواجهة التحديات التي تواجهها وتهدف إلى ردها عن دينها إن استطاعت.

ولا نرى مانعًا من تفاعل الأقليات المسلمة داخل المجتمعات التي تعيش فيها؛ فهذا لا يتعارض مع مبادئ الإسلام وتوجيهاته، وقد يؤدي إلى زيادة أعداد المهتدين من المواطنين، مع مراعاة التمسك بالثوابت الإسلامية التي تمثلها مقاصد الشرع الإسلامي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وتعهدها من أن يتطرق إليها فساد، أو يحيط بها غبش، وفيما عدا ذلك، فإن تفاعل الأقليات المسلمة داخل المجتمعات الغربية ينضبط بقاعدتين جوهريتين: وردت الأولى في سورة الممتحنة: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8، 9] .

وأما القاعدة الثانية فمضمونها: أن ما كان منهيًّا عنه لسدِّ الذريعة فهو أخف مما حرم تحريم المقاصد، ويفعل لأجل المصلحة الراجحة.

بقيت مسألة تحاكم المسلمين في الغرب أمام القضاء غير الإسلامي، ونحن نرى التفرقة بين قضايا الأحوال الشخصية - التي تتصل بالعبادة والعقيدة - ولا يجوز بشأنها إلا تطبيق الأحكام الشرعية، عن طريق تولية عالم بالشرع يفصل في هذه القضايا، أو عن طريق الصلح والتحكيم، وبين سائر القضايا التي يرخص بشأنها في اللجوء إلى القضاء الوضعي، عندما يتعين سبيلًا لاستخلاص حق أو دفع مظلمة، لانعدام البديل الشرعي القادر على ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت