وحفظ الدين على هذا الوجه قد يكون معرضًا للتغيير في الغرب إذا لم يتعهده من أسندت إليه مهمةُ الإدارة والإشراف على أمور الجاليات المسلمة؛ نظرًا لشيوع الفكر الإلحادي في الغرب، وعدم وجود حدود لحرية المعتقد والتعبير، ولنشاط الحركات التبشيرية بإمكاناتها المادية والمعنوية.
والأجيال المتعاقبة هي أكثر المستهدفين في المجتمعات الغربية، مما يوجب على أولياء أمورهم وعلى قيادات الجاليات المسلمة بذل كل ما يستطيعون من جهد من غير كلل أو ملل.
2 -وقد عُنيت الشريعة بحفظ الأنفس المعصومة بالإسلام أو بالعهد [1] ؛ وذلك بتحريم الاعتداء عليها، وضمان ما أتلفه على سبيل الخطأ، وتجنب كل ما من شأنه إيقاع الضرر على الغير، ورد العدوان بما يناسب من وسائل الدفاع عن النفس [2] .
3 -أما حفظ العقل، فلأنه مناط التكليف، ويحرم كل ما من شأنه إدخال الخلل عليه؛ كالخمور والمخدرات، وكالتفكير الفاسد الذي تروجه المذاهب الهدامة والنِّحَل الباطلة وحملات التبشير.
وحفظ العقل - على هذا النحو - معرض للتغيير في الغرب؛ نظرًا لإباحة كل أنواع المسكِرات، وتوافرها بثمن زهيد، وفي بعض البلاد يباح تعاطي المخدِّرات.
ومن هنا لزم بيان أهمية حفظ العقل، والتركيز على تعهد الأجيال الناشئة في الجاليات المسلمة.
4 -وحفظ النسل يتضمن المحافظة على الفروج والأعراض وصحة الأنساب، ويواجه هذا المقصد الضروري تحديًا سافرًا؛ فحرية التواصل الجنسي، وإباحة الزواج المثلي، وتقبل أطفال الزنا اجتماعيًّا وقانونيًّا، وشرعية التبني، والاستهانة بشيوع زنا المحارم في المجتمعات الغربية - كل ذلك يعد تحديًا خطيرًا للانضباط الجنسي، وبالتالي يعرض مقصد حفظ النسل للتغيير إن لم يسهر قادة الأقليات المسلمة على رعاية الشباب والشابات، وتعهدهم بالوعظ والإرشاد في جميع المناسبات.
5 -وحفظ المال مقصد يحتاج إلى وقفة متأنية؛ فالمسلم مكلف شرعًا بالسعي لكسب المال الحلال من طرقه المشروعة، وإنفاقه على نفسه وأهله دون سرَف أو إقتار، وأداء حقه الشرعي في مصارفه المعروفة، ولا يجوز له أن يأكل مالَ مسلم أو غير مسلم إلا بوجه مشروع ورضًا من صاحبه.
وقد راج في الغرب فتاوى تنسب إلى مراجع شرعية وتعتمد على آراء لبعض فقهاء الحنفية، تجيز التعامل بالعقود الفاسدة - ومنها الربا - خارج ديار الإسلام [3] ، وتحقيق القضية في ذلك: أن الإمام أبا حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن - خلافًا لأبي يوسف - أجازا أن يبيع المسلم الدرهم بالدرهمين من الحربي في دار الحرب،
(1) النووي، روضة الطالبين: 9/ 148، ابن حجر، فتح الباري: 6/ 270.
(2) العز بن عبدالسلام، قواعد الأحكام: 1/ 81.
(3) انظر في ذلك: د. عبدالرحمن بن حسن النفيسه، رسالة في الزيادة التي تدفعها البنوك في البلاد غير الإسلامية وما إذا كانت تجوز للمسلم، من إصدارات مجلة البحوث الفقهية المعاصرة (21) ، الرياض: 1426 هـ.