لذلك، بدأ محمد بن عبد الكريم يشتغل في الخفاء ضد العدو باحثا عن منفذ للهروب من مليلية ليتجه نحو أجدير لمساعدة والده في الاستعداد لمعركة الجهاد ضد الغزاة. بيد أن العدو قد تنبه، بشكل جيد، إلى خطورة هذا المناضل. لذا، كانت تمنعه من الخروج من مليلية بكل الوسائل المتاحة. وبتاريخ 1 يوليوز 1915 م، بعث كا?يلا من النكور إلى مركز القيادة بمليلية تلغرافا يقول فيه:"إن معلومات ذات ثقة، تؤكد أن الفقيه عبد الكريم (الأب) ينتظر مجيء ابنه السي محاند قاضي مليلية للعمل سويا ضد مصلحة إسپانيا، ولذلك فإن رجوع الابن إلى مليلية يعتبر غير وارد بالمرة. وقد أكدت لي مصادر الخبر خطورة مجيء السي محاند إلى قبيلة بني ورياغل، لما يمكن أن يكون له من تأثير قوي في المتعصبين الريفيين" [1] .
وقد زج به العدو في السجن بتهمة مشاركته في مؤامرات سياسية ضد فرنسا، فاستطاع الفرار من مليلية قاصدا أجدير بغية مساعدة والده في الكفاح والنضال الوطني إلى وفاة أبيه عام 1920 م [2] .
هذا، وقد شمر أسد الريف عن ساعده لبناء الإنسان الريفي كينونيا، وهوياتيا، ووجوديا، ونفسانيا، ودينيا، واجتماعيا، وأخلاقيا. فوحد مختلف القبائل الريفية التي كانت تتصارع فيما بينها، وجمعها على كلمة واحدة، أساسها المحبة والتضامن والاتحاد لمواجهة العدو، وجمع الإمكانيات اللازمة لخوض الحرب ضد الإسپان الذين يريدون غزو الريف لإذلال الساكنة، واستنزاف خيراتهم. وقد نجح الزعيم الريفي - فعلا - في جمع شمل زعماء القبائل منذ انعقاد مؤتمر إمزورن في 21 فبراير من عام 1921 م الذي خرج بنقطتين أساسيتين هما: الدفاع عن الوطن إلى آخر قطرة من دم في جسم الإنسان الريفي، وتطبيق الشريعة الإسلامية في كل ربوع منطقة الريف.
وبعد ذلك، أسس محمد بن عبد الكريم الخطابي جمهورية الريف سنة 1923 م. وأرسى دعائم إدارة دستورية ديمقراطية إسلامية منظمة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ودينيا، تقوم على الشورى، والحوار البناء الهادف، والاحتكام إلى القرآن والسنة وأقوال الجماعة. كما عين حكومة مخلصة في عملها
(2) - محمد محمد عمر بلقاضي: أسد الريف، محمد عبد الكريم الخطابي،، مطبعة سلمى، الرباط، الطبعة الثانية، 2006 م، ص:94 - 96 م.