هذه نظرة موجزة إلى معركة أنوال التي ستبقى ذكراها راسخة في تاريخ المغرب الحديث. وما أحوجنا اليوم إلى تمثل دروس هذه المعركة بقيمها النبيلة، وأخلاقياتها الرفيعة، وبطولاتها الخارقة التي تذكرنا بأمجاد ومعارك وحروب أسلافنا الأشاوس الميامين! وما أحوجنا للتشبع بقيمها الوطنية والقومية للنهوض بوطننا العزيز، وأمتنا العربية الإسلامية، والتمسك بالوحدة الترابية لمواجهة كل مناورات المعتدين، و رد أطماع الاستعمار المباشر وغير المباشر!
وعلى أي حال، فقد كبد الريفيون، بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي، القوات الإسپانية خسائر فادحة عددا وعدة، وتراجع الإسپانيون إلى السواحل، بعد أن حرر البطل سلوان ومدينة الناظور، وتوقف عند مشارف مدينة مليلية. بيد أن فرنسا كانت تتخوف منذ 1923 م من تعاظم دور محمد بن عبد الكريم الخطابي، وما يشكله من تهديد للتواجد الفرنسي بالمغرب؛ إذ خاض البطل مجموعة من المعارك التي انتصر فيها على القوات الفرنسية، وخاصة معارك ورغة، وكادت جيوشه أن تحتل تازة وفاس.
ولقد دفع هذا الواقع العسكري الذي كان لصالح بطل الريف الحكومة الفرنسية لمراجعة خططها العسكرية بالمغرب، فأزاحت هذه الحكومة ليوطي المقيم العام على المغرب من منصبه الامتيازي، وعينت فيه ستيغ (STIG) الذي تلقى تعليمات للتعاون مع الإسپان والأمريكان والألمان للتصدي لمقاومة محمد بن عبد الكريم وإجهاضها، باستخدام أحدث الأسلحة الفتاكة، ولاسيما الغازية منها. وفي هذا السياق، تقول زكية داود:"وبقدر ماكانت القوات الفرنسية المتحالفة مع الجيش الإسباني تتقدم مسبوقة بالدبابات وعمليات القصف الجوي (حيث ألقت 73 طائرة أكثر من 1000 طن من القذائف دون احتساب الغازات الخانقة التي ينتجها الكيميائي الألماني سطولتسنبرغ بمصنع في مليلية، وأطلقت المدافع 18.000 قذيفة على مجموعة واحدة من المرتفعات الجبلية) ،كان يتم إحراق القرى وتدميرها. كان المقصود هو ترهيب السكان والقضاء على مواردهم، لذلك كانت الهجمات تستهدف الأسواق خصوصا، وقطعان الماشية تنهب وتباع بأبخس الأثمان. وأجمعت كل الكتب"