غرار القواعد المتينة التي بناها علماء المسلمين الأوائل؟ والدليل على ذلك أن فطاحلة المحققين من أهل الغرب إذا رأيتهم يحققون عملا من المخطوطات العربية حسبت أن أحدهم من تلامذة الخطيب البغدادي، أو القاضي عياض، أو شمس الدين الذهبي، أو ابن حجر العسقلاني، وخير شاهد على ذلك ما استفاده واضعو القانون الفرنسي من كتب الفقه المالكي؛ في مواد مختلفة منه، وما كتبه بروكلمان في تاريخ الأدب العربي، وأ. فنسك في المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، وغيرهما من محققي الغرب، فإذا كانوا كذلك فلماذا نشعر أبناءنا بأن هذا التراث معقد، وأنهم لا جلد لديهم يمكِّنهم من الدخول عبر دهاليزه، وأن عليهم أن يأخذوا السمك جاهزا، بدلا من تعلم صيده!
4 -كذلك أتعجب من عبارة الدكتور محمد عُمارة: (السند والعنعنات) ، وهي عبارة يستغربها من وضعوا أقدامهم على أوائل عتبات سلم المعرفة الإسنادية، فضلا عن من لهم دراية بتحقيق المخطوطات المسندة، خاصة وأن قائلها يزعم بأنه يقدم منهجا جديدا في التحقيق، فقوله (السند والعنعنات) مكون من مفردة (السند) ، وهي معروفة، أما مفردة (العنعنات) فهي تستحق بيانا من الدكتور فقوله (العنعنات) هنا غريب غرابة (العنقاء) في الطير، لأن (عن) من أدوات التحمل، ولها شروط في الجواز، ولو عرف شروطها لما قال: (العنعنات) ، ولما قال إنها: (تقطع أوصال الفكر في متن الكتاب ... ) ، ويزيد الطين بلة أن (عن) التي اشتق منها لفظ (العنعنات) انقلبت في بعض الأسانيد إلى: (بن) فأفسدت تلك الأسانيد العازلة الفاصلة في نظره!
5 -ولئن تكرر العجب من أقوال الدكتور محمد عُمارة، فها هو يقول: ولقد ضربنا صفحا عما اهتم به الشيخ الفقي - وأمعن فيه وأطال - من تخريج أحاديث الكتاب، على النحو الذي أثقل طبعته بتعليقات طويلة، وبعضها شديد الطول، لا تضيف جديدا، وذلك لاعتقادنا أن مكانة المؤلف أبي عبيد القاسم بن سلام، في الرواية، ونقد الرواة، وفي الحفظ، وفي علوم الحديث ككل؛ إنما تعلو عن مكانة كثيرين من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد - كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في الترجمة له .... اهـ.