يفيد هذا، من بين ما يفيد، أن توفر الطاقات اللغوية والمعرفية والإدراكية والاجتماعية والمنطقية شرط أساسي وضروري لتعلم اللغة، فتعلم اللغة حسب النظريات الحديثة"لا يقف عند حدود تعلم القواعد النحوية بل يتعداه إلى تعلم كيفيات الاستعمال وفق القواعد الاجتماعية والثقافية الخاصة بتلك اللغة." [1]
إن هذا التداخل والاحتكاك والتفاعل بين هذه الطاقات الخاصة والقائمة على أدوار مختلفة، لهو العامل الرئيسي في تكوين قدرة تواصلية لدى المتعلم، والتي تجعله قادرا على التواصل في مختلف المقامات التواصلية، ولا يمكن أن يتحقق هذا المراد"إلا إذا وضع المتعلم في محيط لغوي يشبه- قدر الإمكان- المحيط الطبيعي للغة المتعلمة. والمنهج الذي يلبي هذا المطلب هو المنهج التواصلي في التعليم حيث يعمد إلى دفع المتعلم إلى التواصل باللغة الأجنبية في مقامات مختلفة رغم معرفته البسيطة بالمفردات المعجمية ومعرفته الضئيلة بالقواعد النحوية." [2]
من هذا المنطلق العام، وانطلاقا من هدف تعليم اللغة بطريقة تواصلية إدماجية، المتمثل في تنمية القدرة التواصلية لدى المتعلمين لكي يتواصلوا مع مختلف الأفراد، وأن يبدعوا ويكونوا عددا غير محصور من الأشكال التعبيرية المقبولة دلاليا وتركيبيا واجتماعيا، جاء تركيزنا على الطريقة التواصلية الإدماجية في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، لما لها من إيجابيات داخل العملية التعليمية التعلمية، وما لها من أهمية بالغة، إذ تعتمد على إدماج المتعلم في عملية التعلم، كما تقوم على إدماج المهارات اللغوية في التدريس والنظر إليها بطريقة كلية وتكاملية واعتماد الشمولية عند تناولها، وذلك من أجل تحقيق تعليم فعال.
إن المتأمل في تاريخ الطرائق التقليدية يجد أن روادها كانوا يركزون أكثر على دراسة التراكيب والتعابير اللغوية وتعلمها، وكذا تحليل النصوص الأدبية وترجمتها إلى اللغات الأم. كما أن بعضا من هذه الطرائق، ولاسيما السمعية الشفوية كانت تركز على إتقان اللغات الأجنبية قصد توظيفها واستعمالها في مواقف معينة ولأغراض محددة، ومن هذه الأغراض استخدام اللغة كوسيلة للتواصل إبان الحرب العالمية الثانية. وبعودتنا إلى الطريقة التواصلية نجد أنها جاءت، حسب عدد من المهتمين والمتخصصين، كرد فعل فعل قوي على الطريقة السمعية الشفوية، ويظهر لنا هذا الرد جيدا، في كونها قامت بتجاوز النظرة التقليدية للغة وكذا طريقة وصفها. كما أنها قامت بمجموعة من الإجراءات والتغييرات على مستويات عدة يأتي في مقدمتها، تجاوزها للأساليب والتقنيات السلوكية التقليدية المستعملة في تدريس اللغة، وكذلك انتقادها اللاذع للأسس والمبادئ السائدة قديما. هذا بالإضافة إلى أنها أعادت النظر في مضامين ومحتويات التعليم والتعلم التقليدية. هذه الثورة العلمية التي قامت بها الطريقة التواصلية، والتي فيها دعوة أساسية لمراجعة كل ما هو تقليدي في تعليم اللغات، لم تقتصر فقط على طرائق تدريس اللغات، بل جاءت في نفس الوقت، كرد فعل أيضا على النظرية التوليدية لتشومسكي التي اقتصرت على دراسة اللغة في معزل عن الموقف والسياق الاجتماعي والثقافي*. كما أنها"لم تأت عبثا أو اعتباطا، بل جاءت نتيجة للتطورات المستجدة في مجالات عديدة أهمها: ظهور النظريات اللغوية الجديدة مثل نظرية القواعد التوليدية التحويلية، ونظريات التعلم، خصوصا النظريات"
(1) البوشيخي، عز الدين (2002) ، ص.364.
(2) المصدر نفسه، ص. 366.