الصفحة 13 من 24

وانتهى إلى إفناء شخصية المسيح التاريخية إفناءً تامًّا - كما يقول ديورانت - فإن هيرمان الذي بدأ هذا الجدل ألَّف بحثًا مطولًا ذهب فيه إلى أن يسوع لا يمكن أن يعد مؤسس المسيحية، ولا ينبغي أن يفهم مثل هذا الفهم، بل يجب أن يفهم على أنه الشخصية النهائية الرئيسية في جماعة"المتصوفة"اليهود القائلين بالبعث والحساب [1] ، ويعني بهذا أن المسيح لم يفكر في إيجاد دين جديد، بل كان يفكر في تهيئة الناس لاستقبال دمار العالم المرتقب [2] ، وهكذا تجد المؤرخين والباحثين الغربيين قد انقسموا طوائف حول الظاهرة"اليسوعية"، وقد رفض القصة بعضهم، منهم من ذكرنا، ومنهم من من لم نذكر، كما قبِل القصةَ بعضُهم بتحفظ، حيث لم ينكروا وجود الظاهرة، بيد أنهم تشككوا أن تكون قد تطورت بتلك الكيفية المذكورة في الكتب المقدسة [3] .

وبالطبع نحن لا نذهب مذهب الذين اشتطوا فأفنوا شخصية المسيح، ولا أولئك الذين تجاهلوها تمامًا، غير أننا نستفيد كثيرًا من أولئك المتطرفين أو المتشككين حول ظاهرة السيد المسيح، لنؤكد أن الغموض الذي اكتنف حياته عليه السلام، والتناقضات التي حوتها سيرته بسبب كثرة الأقلام والتحريف، هي التي ولدت هذه الشكوك وذلك الاضطراب، والسبب في كل ذلك يرجع لقلة أو انعدام مصادرهم الموثوقة، مما جعل بعض الباحثين يعترف بصعوبة الكتابة عن شخصية"يسوع"، فهذا"إميل لوديغ"الذي أخرج كتابًا بعنوان"ابن الإنسان"- حكى فيه قصة السيد المسيح - نراه يقف محتارًا في سطور الكتاب الأولى، فيقول:

"من الصعب وصف رجل كيسوع لا نكاد نعلم شيئًا عن حياته وأوصافه وسريرته قبل بلوغه الثلاثين من عمره، وليس لدينا غير معارف متناقضة عن عامي سنه الأخيرين؛ فالأناجيل الأربعة التي هي كل ما لدينا متباينة، وتدحضها المصادر غير المسيحية، ونحن إذا حذفنا الأقوال المتكررة لم يبقَ لدينا من ذلك كله سوى خمسين صفحة تحتاج إلى تمحيص جديد، أضف إلى ذلك ما تراه في تاريخ حوادث يسوع من خلطٍ أثار أسف الباحثين في كل قرن" [4] .

(1) - السابق ص 203.

(2) - لودفيغ: (إميل) ابن الإنسان، ت: عادل زعيتر، القاهرة، البابي الحلبي 1947، ص 9

(3) - لوبون: (د. غوستاف) حياة الحقائق، ت: عادل زعيتر، إحياء الكتب العربية ط 1 1949، ص 62.

(4) 4 السابق - ص 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت