رئيس الكهنة وشيوخ الشعب كلهم، فمنهم أخذت رسائل إلى إخوتنا اليهود في دمشق، فذهبت إليها لاعتقال مَن كان فيها مؤمنًا بهذا المذهب فأسوقه إلى أورشليم لمعاقبته، وبينما أنا أقترب من دمشق سطع فجأة حولي عند الظهر نور باهر من السماء، فوقعت إلى الأرض، وسمعت صوتًا يقول لي: شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟ فأجبت: من أنت يا رب؟ قال: أنا يسوع الناصري الذي تضطهده، وكان الذين معي يرون النور، ولا يسمعون صوت من يخاطبني [1] .
هكذا نجد بولص يتحدث عن نفسه في خطاب طويل، يجده الباحث في أعمال الرسل، وفي مواضع كثيرة ومتفرقة من العهد الجديد، وبتعابير متكررة ومتشابهة إلى درجة تبعث الملل في روح الباحث.
ولقد تتبعت ذلك العهد الجديد صفحة إثر أخرى، فظفرت بهذه الحصيلة عن شخصية بولص، ففضلت أن أذكرها في النقاط التالية:
أولًا: هو الشخصية الوحيدة التي استطاعت أن تخرج الحواريين من صمتهم وحيرتهم الناتجين عن كارثة صَلْب المسيح التي أشيعت وصدقها البعض؛ فهو أول من أجاب عن السؤال: لماذا صلب المسيح؟ وهو الشخص الوحيد الذي وضع الإجابة في قالبها الفلسفي الميتافيزيقي (انظر رسالته لأهل رومية) [2] ، وربما بلغت بنا الجرأة في طرح رأينا الذي يذهب مذهبًا يرى من خلاله أن هذا التفسير الفلسفي الماورائي لظاهرة الصلب المزعومة، هو أول رشوة قدمها بولص للجماعة الأولى التي أذهلها زعم الصلب، فكان هذا التفسير"الكرت"الأساسي الذي فتح قلوب جماعة الناصرة وعوامها (للحكيم) الفيلسوف بولص، الذي استطاع أن يجيب عن السؤال الخطير: لماذا صُلب المسيح؟ ومن ثم تبوأ مكانة سامية بين الذين كان يضطهدهم، بل فرض نفسه حتى أصبح قائدًا روحيًّا قويًّا لمذهب داخل النصرانية، بناه بتأويله الفلسفي الديني الميتافيزيقي، الذي خلق من المسيح إلهًا.
ثانيًا: هو الشخص الأول الذي أخرج الديانة المسيحية من إطارها العنصري اليهودي الضيق، إلى إطارها العالمي الواسع، وهو يعتقد في ذلك أن يسوع كلمه بعد صلبه مباشرة - بعد أن
(1) - انظر العهد الجديد، أعمال الرسل.
(2) - الإصحاحات 6،7،8،9،10،12،15.