ظهر له عيانًا - وطلب منه أن يبلغ رسالته إلى غير اليهود، فهو المبعوث الشخصي الذي يتحدث بلسان السيد المسيح لغير اليهود، والمخصوص بهذا الجانب دون غيره! [1] .
ثالثًا: إن هذه الدعوة الجديدة لغير اليهود، التي تولى كبرها ومسؤوليتها، جلبت له عداوة مع بعض الحواريين"الناصريين الأوائل"، الذين يبدو أنهم عارضوا هذه الدعوة وما تبعها من أفكار جديدة، خصوصًا تلك التي تسعى لإعفائهم من الشريعة الموسوية، والباحث يلمس هذه العداوة بينة على لسان بولص نفسه، فهو لا يتورع من أن يصفهم - أي الحواريين - بأنهم"لا يسيرون سيرة مستقيمة" [2] ، ثم يصف، في جرأة بالغة، رئيس الحواريين والشخصية الأولى لدى المسيح - بطرس - بالرياء، وغيرها من التلميحات التي تقلل من مكانته الدينية وسط أتباعه، الشيء الذي طبع كتاباتهم بالطابع الخصامي.
إن هذه الدعوة الجديدة - دعوة غير اليهود - خلقت من بولص كذلك شخصية هي أقرب إلى شخصية رجل السياسة المراوغ منه إلى رجل الدين صاحب الثوابت والمبادئ؛ إذ نجده في دعوته لغير اليهود - وفي سبيل أن يستجيبوا لهذه الدعوة - قد اتخذ أديانهم وفلسفاتهم الوثنية الميتافيزيقية مدخلًا لدعوتهم للمسيحية الجديدة، بل في أحيان كثيرة كان يخبرهم بأنه يعتقد مثل ما يعتقدون، انظر إليه لتلتمس روح الرياء:
"أنا رجل حر عند الناس، ولكن جعلت من نفسي عبدًا لجميع الناس حتى أربح أكثرهم، فصرت لليهود يهوديًّا حتى أربح اليهود، وصرت لأهل الشريعة من أهل الشريعة، وإن كنت لا أخضع للشريعة، لأربح أهل الشريعة، وصرت للذين بلا شريعة كالذي بلا شريعة، لأربح الذين هم بلا شريعة ... وصرت للناس كلهم كل شيء لأخلص بعضهم بكل وسيلة" [3] .
وانظر إليه كيف يستخدم آلهتهم وأديانهم الوثنية مدخلًا للمسيحية الجديدة:
(1) - رسالته إلى أفسس، حيث جاء تحت عنوان رسالة بولص لغير اليهود: [أنا بولص، سجين المسيح يسوع في سبيلكم أيها الذين هم غير اليهود، لا بد أنكم سمعتم بالنعمة التي وهبها الله لي من أجلكم، كيف كشف سر تدبيره بوحي كما كتبت لكم بإيجاز من قبل، وبإمكانكم إذا قرأتم ذلك أن تعرفوا كيف أعرف سر المسيح).
(2) - انظر رسالته لأهل غلاطية 11 - 14.
(3) - رسالته لأهل كورنثوس.