فوقف بولص في وسط المجلس وقال:"يا أهل أثينا، أراكم أكثر الناس تدينًا في كل وجه؛ لأني وأنا أطوف في مدينتكم أنظر إلى معابدكم، فوجدت مذبحًا مكتوبًا عليه: إلى الإله المجهول، فهذا الذي تعبدونه ولا تعرفونه هو الذي أبشركم به" [1] .
رابعًا: كان بولص يعترف من خلال رسائله أن معه منافسين له، يدعون إلى مسيح مخالف للمسيح الذي يبشر به هو، وقد وَسَمَهم"وصفهم"بالرسل الكذابين [2] ، كما أنك تستشعر من نبرته الحارة إلى أتباعه أن هنالك من يستجيب [3] لأولئك الذين سماهم كذابين، بيد أنه مما يؤسف له أن الكنيسة التي احتكرت جميع المخطوطات الوثائقية، لم تترك لنا وجهات نظر أولئك الكذابين المخالفين لبولص، ولم تصِفْ لنا ذلك المسيح الذي يبشرون به، وإن كنا نجد بعض المنشقين المتأخرين بعد وفاة بولص، مثل الآريوسيين، ربما كانوا يعبرون عن بذرة لم تستطع الكنيسة البوليصية اختلاعها، حتى بعد القرن الرابع الميلادي؛ فآريوس الهرطقي في نظر الكنيسة كان يرى في المسيح مجرد بشر رسول من الله ليس إلا.
خامسًا: كان بولص يجد في أثناء تطوافه الدعوي من يطالبه بالدليل الحاسم على شرعيته كرسول مبشر، وكان ذلك يسبب له إزعاجًا، فيقول:"إن عدت إليكم فلا أشفق على أحد، ما دمتم تطلبون برهانًا على أن المسيح ينطق بلساني" [4] ، وكان دائمًا يرد على هؤلاء بإصرار عنيد:"إنه لم يتعلم المسيحية من أحد، (البشارة التي بشرتكم بها غير صادرة عن البشر؛ فأنا ما تلقيتها ولا أخذتها عن إنسان، بل عن وحي من يسوع المسيح) [5] ، ويقول كذلك:"
(ولكن الله بنعمته اختارني وأنا في بطن أمي، فدعاني إلى خدمته، وعندما شاء أن يعلن ابنه في لأبشر به بين الأمم، ما استشرت بشرًا، ولا صعدت إلى أورشليم لأرى الذين كانوا رسلًا قبلي، بل ذهبت على الفور إلى بلاد العرب، ومنها عدت إلى دمشق، وبعد ثلاث سنوات صعدت إلى أورشليم لأرى بطرس، فأقمت عنده خمسة عشر يومًا، وما رأيت غيره من الرسل سوى يعقوب أخي الرب) .
(1) - أعمال الرسل، الآيات 22، 23.
(2) - رسالته لأهل غلاطية، الآيات 7، 9.
(3) - المرجع السابق.
(4) - الرسالة الثانية لأهل كورنثوس 12، 13.
(5) - غلاطية 10 - 20.