الصفحة 19 من 24

ويقول كذلك: (الذي جعل بطرس لليهود جعلني أنا لغير اليهود) [1] ، وإن قلنا له: إن الذي جعل بطرس هو المسيح في حياته، يرد علينا بأنه هو كذلك، نصبه المسيح في حياته بعد صَلبه؛ لأن المسيح لم يمت، بل هو معه دائمًا يلازمه أنَّى حلَّ!

إن بولص بما أوتي من ملكة بلاغية بارعة، كان يخلق حول نفسه هالة عظيمة، كما أنه يستخدم أسلوبًا استعطافيًّا مفضوحًا أحيانًا كثيرة؛ لأجل أن يتبوأ مكانة روحية كبيرة وسط المؤمنين بدعوته.

فأناشدكم - أيها الإخوة - أن تصيروا مثلي؛ لأني صرت مثلكم، ما أسأتم إلي، بل تعرفون أني كنت مريضًا حينما بشرتكم أول مرة، وكانت حالتي الجسدية محنة لكم، فما احتقرتموني ولا كرهتموني، بل قبلتموني كأني ملاك الله، بل المسيح يسوع، فأين ذلك الفرج؟ أنا لا أشك أنه، لو أمكن الأمر، لكنتم تقتلعون أعينكم وتعطوني إياها ... [2] .

وأخيرًا وليس آخرًا، فإن بولص هو أهم شخصية على الإطلاق في نشر المسيحية الجديدة، حتى سماها بعض الباحثين بالمسيحية البوليصية [3] ، وأن المسيحية المعاصرة هي التي تعبر عن ذلك الخط البوليصي، وهو أول شخصية وضعت حجر أساس أول كنيسة في أوربا، كما أنه هو الذي وضع بذرة اللاهوت المسيحي [4] ، وأن عقيدة التثليث - لا محالة - تجد جذورها في الفكر البوليصي الجديد، الذي عبَّر عنه يوحنا في إنجيله خيرَ تعبير.

وأخيرًا - وهذا هو الأهم - فإن بولص تحاشى تمامًا أي صدام مع السلطة السياسية، أيًّا كان نوع هذا الصدام، بل تجده يبرر وجود السلطة الزمنية الوثنية التي أذاقتهم عذابًا لا يطاق، حتى توَّجَته، هو نفسه، مصلوبًا بين مريديه، فهو يصر دائمًا على أن السلطة قدر من أقدار الله، ويدعو أتباعه للانقياد التام لهذا القدر، بل إن هذا الاستسلام للسلطة الزمنية الوثنية آنذاك هو جزء أصيل من عقيدة المسيح، فالناظر إلى رسالة بولص إلى أهل رومية يجد الفصل التام بين ما هو روحي مناط بالمسيحي أن يقوم به في المجتمع وبين ما هو زمني تتكفل الدولة بإقامته، بل لا يجد الباحث صعوبة البتة في أن يحس الاستسلام الكامل وغير المشروط للمسيحي أمام سلطان الإمبراطور الوثني الزمني طالما أن هذا الأخير لا يطلب من المسيحي أن يتخذه موضوعًا للعبادة.

(1) - السابق 7 - 8.

(2) - السابق 12 - 20.

(3) - انظر على سبيل المثال: غوستاف لبون في حياة الحقائق - وويلز في معالم تاريخ الإنسانية.

(4) - ويلز معالم تاريخ الإنسانية ص 564.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت