أما"إتين جيلسون"الباحث والمتخصص في فلسفة العصور الوسطى فينفي عنه كل عبقرية فلسفية، ويثبت له أنه المؤسس الفعلي للفكر المسيحي، وأن الذين جاؤوا من بعده لم يفعلوا شيئًا أكثر من استخراج النتائج المترتبة على تلك القواعد التي أسسها [1] .
وعلى الرغم من أنه ليس هنالك خلاف بين الباحثين الأحرار على أن بولص أدخل في المسيحية من الوثنيات ما ليس منها، فإننا نجد"ويلز"و"ديورانت"- وهما مؤرخان عظيمان - رغمًا عن إثباتهما للنتيجة السالفة فإن كليهما اعتذر عن أنه لم يهتد بالتحديد إلى أفكار وفلسفة بولص الدينية السابقة قبل أن يعلن دعوته الجديدة،"مبشرًا بمسيح على الطريقة التي ارتآها"، ومن المؤكد أن بولص لم يكن مشهورًا في المجتمع اليهودي الديني باعتباره قائدًا روحيًّا، وإنما كان جنديًّا وذراعًا قمعية بمحكمة اليهود العليا [2] ، وهذا ما أكده هو بنفسه.
أما لماذا أدخل بولص هذه الأفكار الوثنية - التي سنوضحها أكثر عند حديثنا عن مشكلة المصادر - فأغلب الظن أن التيار الوثني لم يستجب لدعوة تصادم جوهر عقيدته الفلسفية الوثنية، وهذا الزعم الذي سقناه استوحيناه من التاريخ الديني، فالمتتبع لحركة الأديان في مجملها يجد هنالك إعراضًا شبه كامل من قِبَل الشعوب للرسل والأنبياء وأصحاب دعوات الإصلاح، وخاصة تلك الدعوات التي تسعى لإحداث انقلاب اجتماعي كامل في المفاهيم والتصورات، ففي الغالب مثل هذه الدعوات تواجه بمعارضة عنيفة بما تحمل من مفاهيم جديدة، ولكن الرسل والأنبياء يصمدون عادة أمام هذه الحركات المضادة، ولا يبدلون دينهم، ولا يتنازلون ولا يساومون إلى أن ينتصروا أو يلقوا حتفهم، أما في حالة بولص فإن الأمر قد اختلف، فلو افترضنا حسن نية بولص وافترضنا أنه كان يفهم ويدرك تعاليم المسيح عليه السلام فالذي يتبدَّى لنا، من خلال تتبعنا لسيرة حياته، أنه لم يصبر تجاه هذه الدعوة، بل تعجل في قطف ثمارها، وإن أتت على حساب دعوة المسيح الأصلية، فانحرف نحو أهواء العامة وأفكارهم حتى يتقرب إليهم فيكون مقبولًا لديهم.
أما الرأي الذي ذهب إلى أن بولص أراد تشويهها - مع سبق الإصرار والترصد - وتقويضها من الداخل؛ لأنه عجز عن القضاء عليها بآلته القمعية، خاصة وأنه يهودي فرِّيسي متشدد، وله علاقة بمحكمتها العليا، كما أشار إلى ذلك المستشار"محمد عزت طهطاوي"فيقول:
(1) - روح الفلسفة المسيحية جيلسون ص 48.
(2) - الطهطاوي: (محمد عزت) الإسلام والنصرانية، طبعة دار الأنصار - القاهرة، ص 159.