(يرى كثير من الباحثين أن عداوة بولص للمسيحية هي التي دفعته للتظاهر بالدخول فيها؛ ليستمر في حربها بسلاح جديد، سلاح التهديم من الداخل، لإفساد معالمها ومسخها، فدخلها في الظاهر ليأخذ من ذلك سلاحًا يطعنها به، فلقد أحدث بولص في المسيحية أحداثًا خطيرة، بحيث يمكن القول: إنه طمس الديانة المسيحية الحقيقية، وخلف دينًا جديدًا" [1] ."
وعلى الرغم من أنني لا أملك دليلًا ماديًّا لدحض هذا الرأي، فإنني غير ميال له، لما عشت مع بولص في العهد الجديد وأحسست مدى انفعاله بما يدعو، وتكبده لمشاق ساقته في نهاية المطاف إلى حبل"المقصلة"، وهذا ما يدعوني لاستبعاد نيته المبيتة لتشويهها، وعليه فقد رأيت أن هذه الأفكار التي جاء بها بولص لا تخرج عن احتمالين:
إما أن تكون هذه الأفكار ليست لها علاقة البتة بمسيحية الناصرة - وهو يعلم ذلك - وإنما هي في أصلها مذهب فلسفي أو ديني عزيز عليه، فأراد أن ينشره دينًا للإنسانية، فاستغل المسيح بما توفر له من خوارق غير طبيعية، فاتخذه مجرد واجهة، فهو لا يريد المسيحية في ذاتها، وإنما كوعاء يحمل فيه ما أراد حمله، وهذا احتمال وارد، وإن كنت أرى ضعفه، مع أن بعض المؤرخين الغربيين يؤكدون أن لبولص مذهبًا قبل تمسحه.
أما الاحتمال الذي تميل إليه النفس فهو أن هذه الأفكار الجديدة هي بالفعل استنبطها بولص من أصول المسيحية الأم، وظن أنها منها، مع أنها غير ذلك، وسبب هذا الاستنباط الخاطئ هو الميل نحو أهواء العامة، بسبب ضغط المناخ الوثني العارم، وبسبب التقرب لأديان السلطة الزمنية السياسية الرومانية.
ورغمًا عن كل تلك التحليلات، فإن الظاهرة البولصية في علاقتها مع الديانة المسيحية تعد من أغرب الظواهر في تاريخ الأديان، وهذا مما يجعل الباب مفتوحًا أمام التأويلات لتفسير هذه الظاهرة، فمدى صدق زعم بولص في التقائه بالسيد المسيح بعد رفعه؟ فهل هذه الواقعة تخيلات تخيلها فظنها كذلك، أم أنها أفكار كانت منضوية في سريرته فسترها بستار الوحي، أم ماذا؟ بمعنى كيف نثبت أن بولص كان كذابًا؟ وهل تتجاوز مصلحته أبعد عن رغبته أن يكون صاحب سلطة روحية؟
مهما يكن سنترك علامات الاستفهام كما تركت من قبل، وسنغلق هذا المبحث بقول بولص نفسه: (فبقدر ما وهبني الله من النعمة كبانٍ ماهر، وضعت الأساس) بعد تعديل طفيف في عبارته هذه فنقول:"فبقدر ما وهبه المناخ الوثني من خيال واسع، وضع الأساس".
(1) المرجع السابق ص 159.