الصفحة 17 من 25

الذميمة والعقائد الشركية كانت أيضا سائدة بين أوساط العشائر والقرى التي غَيرت من دين إبراهيم عليه السلام الشيء الكثير حتى اندرست معالمه إلا بين أفراد قُلُل.

وإن اعتناء العرب بالمظهر الخارجي لشيء محسوس ملموس عبر التاريخ، فإن القارئ لأشعارهم وأخبارهم وأيامهم يلمس من ذلك افتخارهم بالمظاهر وتباهيهم بالخير، وتسابقهم إلى نيل صدارتها حتى يُشاع بين القبائل أن فلانا الفلاني أو القبيلة الفلانية لها من الفعال والمفاعل الحميدة ما يبقى ذكره سائدا ما بقيت تلك القبيلة على الوجود.

وإن مما تعارف عليه العرب قبل الجاهلية ترك شعور الرأس وتطويلها، إذ القوم كانوا أصحاب شعور، ولذلك لم تعرف العرب الحلق إلا في النسك أو ما كان للحاجة أو ما ظهر عن اعتقادٍ [1] كفعل الخوارج وقت الإسلام كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس بن مالك وأبي ذر الغفاري ورافع بن عمرو الغفاري وأبي سعيد الخدري أنه قال:"سيكون في أمتي اختلاف وفرقة قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية لا يرجعون حتى يرتد على فوقه هم شرار الخلق والخليقة طوبى لمن قتلهم وقتلوه يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء من قاتلهم كان أولى بالله منهم سيماهم التحليق." [2] ، ولذلك كره جمع من السلف حلق الرأس لغير حاجة مخيفة الشبه بالخوارج [3] ، حتى أنه روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما جاءه صبيغ بن عسل التميمي يسأله عن المتشابه في القرآن الكريم قال له عمر: لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك [4] ولهذا كانت عادة الصحابة

(1) قال السيوطي في حاشيته على النسائي في حديث ذو الخويصرة التميمي (4034) :"قال القرطبي قوله سيماهم التحليق أي جعلوا ذلك علامة لهم على رفضهم زينة الدنيا وشعارا ليعرفوا به وهذا منهم جهل بما يزهد ومالا يزهد فيه وابتداع منهم في دين الله شيئا كان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون وأتباعهم على خلافه."انتهى.

(2) أخرجه أحمد (13371) و (13067) وأبو داود (4765) و (4766) وغيرهما على اختلاف الروايات، وانظر السلسلة الصحيحة (1895) .

(3) انظر المسألة في عون المعبود رقم (4195) وعمدة القاري شرح صحيح البخاري (7562) وتأمل شرح مسلم للنووي (4/ 24) رقم (1766) .

(4) انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي رقم (904) والشريعة للآجري (149) و (150) والإبانة لابن بطلة (795) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت