نحسبهم والله حسبهم، ولا نزكيهم على الله - إنما هو بالدرجة الأولى تنبيه لأهل الإعلام بكل توجهات، أن يتقوا الله - عز وجل - في علماء الأمة ودعاتها، ويمكنوهم من دعوت الناس إلى الحنيفية السمحة التي بعث بها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - والتي لا يحيد عنها إلا هالك، والتي سنسأل - والله - جميعًا عن أوجه العون والنصرة التي قدمنها لها، ثم هو إرشاد للأمة وتذكير لها بأن هؤلاء العلماء الربانيين، والدعاة الصادقين هم أمنة للأمة، متى ذهبوا جاء الأمة ما توعد. فهو إشارة إليهم - مع أنها قد لا تذكر - لكنه أداء لما نراه واجب علينا محتوم، وأمانة الكلمة التي نضع شيئًا منها عن أعناقنا، ثم لنشكرهم على جهودهم المبذولة، ومساعيهم المحمودة؛ فإنه"لا يشكر الله من لا يشكر الناس" [1] . ولنتعاون معهم على البر والتقوى، والخير والهدى - كل بقدر استطاعته - تحقيقًا عمليًا لقول الله - عز وجل: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2] ؛ وحتى لا يجحدهم الباغين حقهم، وينكر الحاسدين معروفهم، ونلقم من يعترض عليهم بالباطل، ويسيء الأدب معهم حجرًا.
وحمدت الله - عز وجل - قبل ذلك وبعده - على أنه لاتزال هناك في الناس بقية باقية على الخير، تحرص عليه، وتدعو وتحض الناس إليه، ليس ذلك وحسب بل وتتفنن في أفكارها وتبدع في برامجها - العلمية والدعوية منها- لهداية الناس بكل الوسائل التي تطالها؛ لأنها تحمل في عنقها مسؤوليه الرسالة، وترفع عن عاتقها بذلك أمانة الكلمة؛ لتجمع الجميع على موائدها الرمضانية الشهية، وتضمهم إلى مجالسها العطرة الزكية، في زمان تكاثرت فيه موائد السوء، وتخطفت الكثيرين إليها، وأخذت بهم ذات الشمال وذات اليمين، والله المستعان.
فاختلط - على كثيرين وللأسف الشديد - الحابل بالنابل [2] ، والحق بالباطل، والمرعي منها بالهمل [3] ، وتغيرت الرسوم واضطربت الفهوم، فانعكست الموازين، وتبدلت المفاهيم، وتشابهت
(1) حديث صحيح. رواه البخاري في الأدب المفرد رقم: (33) ، وأبو داود رقم: (2/ 290) ، وابن حبان رقم: (2070) ، والطيالسي رقم: (2491) ، وأحمد (2/ 295، 302، 388، 492) ، من حديث أبي هريرة مرفوعا. وقال العلامة الألباني:"سند صحيح على شرط مسلم". انظر: السلسلة الصحيحة (1/ 702) .
(2) الحابل: الذي يصيد بالحبل. والنابل: الذي يصيد بالنبل. ويضرب في اختلاط الرأي. ويقال: الحابل: السدى من الثوب. والنابل: الطعمة أو اللحمة. ويضرب في التباس الأمر وارتباكه. وبذلك فسر ابن السكيت هذا المثل. المستقصى في أمثال العرب للزمخشري (1/ 94) ، وزهر الأكم في الأمثال والحكم، لليوسي.
(3) قال الأصمعي: ومن أمثالهم في التخليط قولهم: اختلط المرعي منها بالهمل. قال: واصله أنَّ المرعي هي الإبل التي فيها رعاؤها. والهمل: الإبل المهملة التي لا راعي لها. يضرب مثلًا للقوم يقعون في تخايط من أمرهم، لا يمكنهم أن يعتزما فيه على رأي. الأمثال لأبي عبيد.