الصفحة 21 من 27

لا يخفى على الفطن اللبيب والعاقل الأريب، إن وظيفة العلماء والدعاة، الدعوة إلى الله - عز وجل - وهي أشرف الأعمال قدرًا، وأسماها منزلةً، وأرحبها أُفقًا، وأعظمها عند الله أجرًا، وهي مع ذلك أثقلها تبعًة، وأوثقها عهدَا.

وإن العلماء والدعاة إلى الله - عز وجل - هم الآخذون - لأنهم ورثة الأنبياء [1] - بأهم تكاليف النبوة وهي الدعوة إلى الله - عز وجل - على بصيرة - وتوجيه خلقه إليه، وإقبالهم بكليتهم عليه، ودعوتهم بالعلم للعلم، وترويضهم على الحق وتزكيتهم بالحق؛ حتى يعلموه ويفهموه، ويذعنوا له ويقبلوه، ويعملوا به، ويعملوا له. فالإرث الممدوح هو الذي ورّثه الأنبياء، وأي إرث أعظم من هذا الإرث؟!

فكيف إذا جمعوا إلى ذلك كله إخوة ومحبة سامية رسالتها، طيبة مذاقها، عريقة أصولها، راسخة جذورها، وعالية مقاصدها، بعيدة مراميها، عظيمة مبادئها، نبيلة أهدافها؟!

ولئن كانت الأخوة عذبة سائغة في أصلها، طيبة رائقة في مشربها - فلهي بين أهل العلم والإيمان، والفضل والإحسان، أعذب مشربًا، وألذ مساغًا، وأعظم رسالة، وأنبل معنى؛ إذ هي مؤسسة على البر والتقوى، ومبنية على طلب السلامة في العقبى؛ فليست لمنفعة مطلوبة، أو لذة مرغوبة، وإنما هي لفضيلة، باعثُها اعتقادُ كلٍّ منهما أن الأخر على جانب من كمال النفس؛ فلذلك هي أحرى بالدوام والبقاء من غيرها. يقول الله - عز وجل: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} [التوبة: 109] وكيف لا يكون ذلك كذلك، والشارع الحكيم قد قرر هذا المعنى وزكاه، ورغب فيه وحض عليه، وأرسى دعائمه وأعلى بناءه؟

ألا ترون معي كيف أن الله - عز وجل - يمتن على السابقين بها، ويحض اللاحقين ضمنًا عليها. فيقول - عز وجل: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخوانا} . [آل عمران: 103] ؟!

(1) قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:"... العلماء ورثة الأنبياء ...". والحديث في مسند أحمد رقم: (21763) ، وجامع الترمذي رقم: (2682) ، وسنن أبي داود رقم: (3643) ، وسنن ابن ماجه، رقم: (223) ، وغيرهم كثير. وهو حديث صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت