ولعل من المهم هنا أن أشير إلى أن أحد أهم هذه الأصول التربوية الماتعة والنافعة، التي يجب على المجتمعات والأفراد رعايتها وتعاهدها؛ لأنها تعد إحدى أهم قوائم المجتمع الإسلامي الأول وركائزه - كما هو معلوم - ألا وهي الأخوة والحب في الله- عز وجل، وكيف لا يكون الأمر كذلك؟! وهما فرسا رهان ورضيعا لبان، بينهما تلازم عجيب لا ينفك، ورباط لو أحكم إيثاقهما به فيصعب أن ينحل، ألا ترى معي أن الأخوة إذا ارتبطت في الحق وللحق وبالحق معاهدها، وأسست على المحبة في الله ولله وبالله قواعدها، يزيد عقدها على مر الأيام شدة، ويتناما عهدها مع الأوقات جدّه، وتصبح لأهلها في الأولى زينة، وفي الأخرى عدّة، ويفوق حالها على ما قيل قديمًا:
يا رُبَّ إخوان صحبتهم = لا يملكون لسلوةٍ قلبا
لو تستطيع نفوسهم فقدت = أجسادها وتعانقت حبا
ولذلك أولية بعناية عجيبة. وكان لها صور وأوجه قد يقول من لا يعي أنها غريبة. وإن من أوجه عناية المجتمع الإسلامي الأول بها، أنه لم يكتفي بذلك؛ حتى ألحق بها وأضفى عليها جملة من الروابط المتينة، وعدد من العرى الوثيقة، والتي جعلت بدورها لهذه الأخوة الحميمية والحب في الله -عز وجل - علاقات حقيقية تزيد على علاقة الدّم وتضاهيها، وتصرع روابط النسب وتعتليها، وتدفع وشائج القربى وتستبقها، بل وتفضلها على الجميع؛ حتى أضحى الأمر كما قيل:
كم إخوةٍ لك لم يلدك أبوهم = وكأنما آباؤهم ولدوكا
وأقاربٍ لو أبصروك معلّقًا = بنياط قلبك ما رُؤوا رحموكا
أو كما قيل:
القوم إخوان صدق بينهم نسب = من المودة لم يعدل به نسبُ
تراضعوا درة الصهباء بينهم = فأوجبوا لرضيع الكأس ما يجبُ