ومن هنا علمنا علمًا يقينيًا راسخًا أن أي مجتمع لا يملك بوحي أو تشريع، أو دستور أو تقنين، أن يوطد هذه الأواصر ويمكنها، ويرسي هذه الروابط ويعززها، بين قلوب أفراده، وفي كل مجتمعاته على اختلاف طبقاته، ما لم يحث بعضهم بالأخوة الإسلامية، ويغري آخرين بالمحبة الإيمانية، ويبذل محاولات منه جاهدة في التوفيق بين الرغائب والملاءمة، والمراغب والموافقة، والمناصحة والمخالصة، والإنصاف والمساعدة، والإسعاف والمرافدة، ويبذل المبادرات المسهمة في التنسيق بين الغايات والأهداف، هو مجتمع لا يلبث طويلًا حتى يأتي أخره على أوله، ويهدم لاحقه ما بناه سابقه، وتتصارع فيه المصالح، وتتراكم عليه المفاسد، وتكثر فيه الآراء، وتتجاسر الأهواء، ويتخلف عنه النصر، وتعلوه الانهزامية، وتلحقه التبعية، ويطاله التشتت، وتلحق به الفرقة، ويتسع الخرق فيها على راقعها، ولا يلبث أن ينفرط ويتتابع إلى الدون، تتابع خرزات العقد إذا قطع خيطها الذي يجمعها أو انفرط. سنة الله {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} ، {وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَحْوِيلًا} .
ولكن الأمر كما قيل، ولنعم ما قيل:
وإنَّ عناءً أن تفهم جاهلًا = فيحسب جهلًا أنه منك أفهم
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه = إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
يشقى رجالٌ ويشقى آخرون = بهم، ويسعد الله أقوامًا بأقوام
نقول هذا: ونحن على يقين لا يتزعزع، ورسوخ لا يتزلزل أو يتضعضع، أن أي مجتمع - كائنًا ما كان، ومن أي جهة كان - لن يصل أبدًا في بنائه إلى عليائه - مهما كانت مهارات عماله، ومهما كانت جودة أدواته، ومهما عظمت قدراته وإمكانياته، ومهما تكاثر من حوله أعوانه وعضده أنصاره، إلى هذه المرتبة الراقية، وهذه المكانة السامقة، إلا بما وصل به الأوائل. من توحيد الوجهة والراية والهدف، وتأليف صفوف أبنائها لذلك - دون تعتيم ولا غبش، أو لفلفة أو عفش - وبث المحبة بين شرائح مجتمعاتها كذلك، حتى ينطلق الجميع - مجتمعين متحدين متفقين - من تلك الأصول الأولى التربوية المحكمة، والقواعد السالفة المنهجية المبهرة؛ ليخطو جميعًا بقدم واحدة، خطوة الجسد الواحد، ويرموا عن قوس واحدة، رمية الفارس الواحد،