الرفيع، وإشفاقًا من التقصير في بيان ذلك والتضييع، واجمًا تارة، ومتسائلا تارات أخرى، عن هؤلاء القوم؟! ومبادئهم وثقافتهم وماهيتهم؟! ومن أي شيء هم؟!
ولذلك انحنت لفعالهم وأقوالهم كراريس وصحائف التاريخ الشامخة، وقراطيس وأوراق السير الباهرة، فالموافقة منها إذعانًا وإعجابًا، والمعادية منها راغمةً صاغرة، غاضبة حانقة؛ تتسابق جميعها لتسطرها تسطيرًا، وتوثقها توثيقًا، فلا تكاد تغادر منها صغيرًا ولا كبيرًا. وهي مع ذلك - في نظر الكثيرين - قد وقفت في بيانها موقف العجز، وضاقت عباراتهم عن حقيقتها فكأنها الرمز.
فبالله! أي قوم هؤلاء؟! وأي موارد وردوها؟! وأي جامعات تخرجوا منها؟! وأي قواعد تربوية انطلقوا منها؟!
وأنى لنا استقصاء كل ما كان بينهم من كل تلك التحف الأثرية النادرة، من التعاطف والتواصل، والمصافاة والتباذل، والمحبة والتألف، والاعتصام والإتلاف، التي تواترت بها الروايات والآثار، والحكايات والأخبار؛ حتى تنوشد في ذلك من منظوم الأشعار، وروي من منثور الأخبار، مع ما فيه من الطول - الذي ليس هذا من موضعه - ويكفينا اشتهاره عند العامة والخاصة، والذي يغنينا بدوره عن الإسهاب فيه، والإطناب في ذكره. وإن في بلوغهم لهذا الحد - والذي تعجز الكلمات أن تصفه، والصفحات أن توثقه، فضلًا عن أن تحصيه أو أن تجمعه - من الترابط، ما يؤهلهم ويضعهم بعد ذلك أمام غايات اجتماعية وأهداف سامية، أغراهم ببلوغها وحفزهم إلى الارتقاء إليها.