الصفحة 23 من 27

لقد شاع عند بعض الناس مسألة تحاسد العلماء وتباغضهم، وتغاير الأقران وتنافرهم، وسطرت في ذلك رسائل، وأُلِّفت في جمعها كتب، حتى خيل لبعضهم أن ذلك هو دأب أهل العلم في كل عصر ومصر، ووقت وحين، وعَدَّوا ذلك قضاءً مبرمًا لا محيد عنه، وواقعًا مفروضًا لا مهرب منه، وتملكهم خاطر اليأس من أن يجدوا صداقة حقة، ومودة حميمة بين أهل العلم، ولكن هيهات هيهات، ولعل من أهم الأسباب التي كانت وراء ذلك سوء الفهم، وفقدان أبجديات الطرح والتلقي، إضافة إلى فساد النية وسوء الطوية، إلى غير ذلك من الأمور التي يصعب الإتيان بها، جميعًا في هذا المقال، وإن كنا سنعرج على شيء مهم من ذلك فيما يأتي - إن شاء الله - عز وجل - على أننا نحمد الله - عز وجل - ونرى جملة منها من باب:

وإذا أراد الله نشر فضيلة = طويت أتاح لها لسان حسودِ

لولا اشتعال النَّار فيما جاورت = ما كان يعرف طيب عرف العودِ

أو من باب:

كم نعمة لله في صرف نعمة = ترجَّى ومكروه حلا بعد إمرارِ

وما كلُّ ما تهوى النُّفوس بصائر = ولا كلُّ ما تخشى النُّفوس بضرَّارِ

والذي يهمنا هنا أن نقول: إن النظر في - سواعد الإخاء - مثلًا جعل الكثيرين يحارون ويتسألون؟! ويدهشون ويبحثون؟! عن المزيد من هذا الإخاء المتدفق، والحب المترقرق؛ ليجدوا بعد ذلك أن في بطون الكتب أمثلة يصعب حصرها، ويعسر استقصاءها، مما يأنس لها القلب، ويلتذ منها السمع؛ من الجوانبَ المشرقةً والصور المشرفة، في صداقات العلماء وأُخوتهم، ومحبتهم ووفائهم، واعترافِ بعضهم لبعض بالفضل، وإقرارهم لهم بالجميل، سواء أكانوا أقرانًا، أو حتى تلامذة لبعض وأشياخًا، فردت تلك الفرية التي علقت بأذهانهم، وطمس ذلك التصور الذي علق في مخيلاتهم، من أن العلماء - في تلك الحقبة أو غيرها - قد شبت بينهم نيران المحاسدة والمفارقة، وسرت في صفوفهم أدواء المهاجرة والمهارشة، والردود والمعارضة [1] .

(1) انظر _على سبيل المثال_: الرسائل التي كانت بين العلامة جمال الدين القاسمي، والعلامة محمود شكري الألوسي، والتي جمعها الشيخ: محمد بن ناصر العجمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت