الصفحة 18 من 27

عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا» [1] .

ولقد ذكرنا سواعد الإخاء - أيضًا - بتلك المجالس الأخوية والتي - للأسف الشديد - افتقدناها كثيرًا، فنكاد لا نجد لها اسمًا، ولا عليها رسمًا إلا في كتاب، أو كطيف يمر على البال، يستخرج تلك الذكريات المخزنة! في الذاكرة. وإن في دنيا الناس، ذكريات لا يمل حديثها، ولا تسأم سيرتها، بل إنها لتحلو كلما أعيدت، وتصفو كلما تكررت، كما يحلو مذاق الشهد وهو يكرر، فكيف إذا كانت هذه الذكريات تعنى بحياة العلماء، والدعاة الربانيين النجباء؟ التي تتجدد آثارها وعظاتها، وتعظم عبرها ومواعظها، كلما سلك المرء سبيله إلى التفكر والاعتبار، والتذكر والإدكار؟!

والعبد المؤمن إذ يغشى معالم سيرة هؤلاء القوم التي تتألق في غرة الزمان وعلى جبين التاريخ - ولعل من أسطعها وأروعها، تلك التي تهب علينا نسمات ذكراها، ويزداد بهاها ويعظم سناها، كلما تناولنها بالعرض والبحث، كالذهب الإبريز؛ كلما عرضته على النار لتمحصه، ازداد إشراقًا وصفاء - ولمعانًا وبهاء، يرى فاتحة أمل، وبارقة نصر، وطريق للعودة إلى المجد التليد، في ثوبه الجديد.

إن سواعد الإخاء أوضح أن الأخوة الإسلامية والمحبة الإيمانية ليست مجرد شعارات تردد، ولا كلمات جوفاء تقال، بل هي خلوص نية، وصدق متابعة، وقصد للخير، والتماس للفضيلة، ومناصحة ومولاه، وتجانس ومصافاة، ومشاورة ومعاضدة، وتواصل وتراحم، وتعارف وتآلف، واجتماع والتئام، وتناصح وغير ذلك من الأمور الكثيرة والمتكاثرة التي هي في طيات الأخوة والمحبة الإسلامية، ولو أردنا بسطها كما ينبغي لقامت لنا منه عدة أسفار. ولكن كانت هذه لفظات يسيرات، وهي بعون الله - عز وجل - تشير إلى ما وراءها.

إن ضيوف سواعد الإخاء جميعًا، ولا أنسى القائمين والمعدين وحتى الداعمين، بل وكل من ساهم فيه - حتى لو كان في نظره قليلًا - فالجميع قد ضربوا أعظم الأمثلة في متابعة الأوائل في

(1) أخرجه مسلم في صحيحه برقم: (6975) ، من حديث جرير بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - في حديث طويل. وقال ابن القيم في كتابه الروح (ص:118) :"وهذا المعنى روي عن النبي من عدة وجوه صحاح وحسان". وقد جمع الشيخ الألباني جملة من الزيادات على ألفاظ مسلم في أحكام الجنائز (ص:177) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت