الصفحة 24 من 27

ولسنا بذلك ننكر وجود شيء بينهم من التحاسد والتغاير، والتنابز والتعاير، إلا أن السمة الغالبة، والعادة الجارية على ذلك كانت المبالغة الزائدة، والتصورات الزائفة، التي أخرجتها عن حدها، وتعدت بها عن حقيقتها، وقولتهم ما لم يقولون، وألحقت بهم ما لم يفعلون.

فقد ترى لاحدهم أو تجد من بعضهم - لفظة ولا أقول لفظات! - قيلت في حق البعض، وهي لفظة يسيرة عابرة، وهي أقرب ما تكون إلى زلة - تربص بها - لا تستدعي - في أحسن الأحوال - سوى غض الطرف والتغافل عنها، فتتلقاها الأذان، وتتناقلها الركبان، ويسير بها من يسير بحسن نية أو سوء طوية، فَتُخْتَلَقُ عداوةٌ ليس لها من أساس. وربما كان الهدف منها السعاية، وقاَلَة السوء. كما أنه قد يكون هناك جفوة بين عالم وآخر، وداعية وآخر؛ فتجد من يوري بها نارًا؛ ويقدح فيها شررًا، فينشأ عن ذلك فساد عريض، وشر مستطير. مع أن تلك الجفوة قد تكون في فترة ما، وما تلبث أن تعود الألفةُ بينهما، دون أن يعلم بها كثير من الناس، فيظنوا أن الجفوة باقية.

وربما كان الأمر مجردَ رأيٍ يُطرح، أو فهمًا يفهمه العالم؛ فيخالفه في ذلك الرأي أو الفهم عالم آخر؛ فيرى من لا يَقْدُر الخلاف قدره، ولا يعرف للعالم حقه، أن ذلك من الحسد أو البغي والعدوان. وربما وقر في النفس شيء من الجفاء، ولكن سرعان ما يزول عند أول لقاء، وعند المصلحة العامة، خصوصًا إذا كان ذلك بين من ينظرون في العواقب، ويقدمون مصالح الأمة على أهواء النفوس؛ ومن هنا يظن بعض الناس أن الجفاء باقٍ، وأن الألفة بعيدة أو مستحيلة.

وأمر أخر مهم جدًا ولابد من ذكره على شهرته: أن أهل العلم والإيمان مها كانت منزلتهم ومكانتهم ومقامهم؛ فما هم إلا بشر، وما كان لبشر أن يخلو من النقائص والعيوب. وهم مع ذلك أقل الناس عيوبًا، وأقرب الناس إلى الأخوة والمحبة. وإذا وجد عندهم شيء من النقائص والعيوب فعند غيرهم أضعاف ما عندهم. وما كان من هذا الباب فيندرج تحت القاعدة المعروف:"كلام الأقران بعضهم في بعض يطوى ولا يروى".

ولقد أحسن من قال أيما إحسان حين قال:

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلَّها = كفى المرء نبلًا أن تعدَّ معايبهْ

وإنَّ المسفَّ الجون يخلف ودقه = وإنَّ الحسام العضب تنبو مضاربهْ

وقول من قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت