إذا كنت في كلّ الأمور معاتبًا = صديقك لا تلقى الذي لا تعاتبه
فعش واحدًا أو صل أخاك فإنه = مقارف ذنب مرة ومجانبه
وقول الأخر:
ومن لا يغمض عينه عن صديقه = وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبع جاهدًا كل عثرة = يجدها ولا يسلم له الدَّهر صاحب
كما أن مما يهمنا من ذلك - أيضًا - إيضاح الجانب المشرق - الذي جلاه سواعد الإخاء - وذكرنا به ألا وهو جانب الصداقة والإخاء، والمحبة والوفاء، وما يدور في هذا الفلك؛ حتى يعلم هذا الجيل الذي يقوم العلماء المصلحون والمربون الناصحون على رعايته وتربيته، أن في الدنيا بقايا من الوفاء والمحبة والألفة والأخوة، تتماسك بها أجزاء المجتمع الإسلامي، وأنه لولا هذه البقايا التي يسخرها الله - عز وجل- لنحدر الإنسان إلى حيوانية عارمة، كالتي بدت آثارها في الأمم التي جفت نفوسها الأخوة والمحبة؛ فخلت من الإحسان والرحمة؛ فهوت بها المطامع إلى ما يراه الرائي، ويسمعه السامع.
فما أحوجنا - والأمر هكذا - إلى تلك المعاني السامية التي تعيد السكينة إلى النفوس، وتزرع الطمأنينة في القلوب. فتلك المعاني الجميلة لم تذهب أبدًا مع أولئك الرجال. وإن كنا لا نشك أنهم قد نالوا القِدْح المعلى، والنصيب الأوفى من تلك المكارم، وهاتك الفضائل، ولكن الخير باق في هذه الأمة، ولا تزال تلك المعاني تُبعث بين الفينة والأخرى، ولا يزال الله يغرس لهذا الدين غرسًا، يتولاهم برعايته، ويصنعهم على عينه؛ وفي عصورنا المتأخرة صور كثيرة، مؤكدة لهذه المعاني العظيمة.
فحري بنا وجدير أن نقدر أهل العلم والدعاة، ونسعى إلى جمع الكلمة، وتآلف القلوب، ولم الشعث، والبعد عن إيغار الصدور وإثارة الكوامن؛ فهذا هو ما استثار الهمة، وأخذ برأس القلم يجره إلى الكتابة في هذا الشأن.