لا يحفظون على الإخوان زلتهم = ولا يريبك من أخلاقهم ريبُ
وأوجدت إثر ذلك - لزامًا - بين أهلها رِباطًا روحيًا عجيبًا جعل منها قواعد صلبة ووثيقة، وأسسًا قويمة ومتينة، يصعد الإسلام عليها، ويعتلي نجمه بسببها، ويسري - بعد ذلك - في المجتمعات سريانًا عجيبًا، يشبه إلى حد كبير سريان الدم في العروق، بل تدفق السيل من أعلاها إلى منتهها، كما كان هذا ملاحظًا ومرئيًا طوال فترات الإسلام الأولى - أعادها الله - عز وجل - علينا من جديد - وفي فترات كثيرة بعدها.
فيهم ومنهم يعد الخير متلدا = ولا يعد نثا خزي ولا عارِ
لا ينطقون عن الأهواء أن نطقوا = ولا يمارون أن ماروا بإكثارِ
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم = مثل النجوم التي يسري بها الساري
إن يسألوا الخير يعطوه وأن خبروا = في الجهد أدرك منهم طيب أخبارِ
كما جعل منها فسطاطًا اتكئ الإسلام في سيره بكليته عليها، واستند بقوة في خطواته إليها، ليتم بناء مجتمعه، والذي كان يرجى منه بعد ذلك أن يقوم بأعبائه وينهض برسالته، فكانت فعلًا من أوائل الخطوات المسددة الواثقة، والموفقة الراسخة، التي وضُعت بين المسلمين، فجعلت منهم آنذاك جسدًا واحدًا، يصدر عن كلمة واحدة، ويتجه إلي غاية واحدة، ويبتغي وينشد هدفًا راقيًا واحدًا. يبذل المجتمع الإسلامي بعد ذلك - في تلك الحقبة - أجمع في سبيل تحقيقه - كل الوسائل الممكنة، ويذلل كل الصعاب التي تواجهه في سبيل توثيقه وتوطيده، ويقهر جميع العقبات التي تعترضه من أجل تثبيته وترسيخه، ويسلك السبيل المستقيم والصراط القويم من أجل استقراره وتمكينه.
وزادوا على ذلك أن كللوا أعمالهم وزينوا أقوالهم بتتبعهم لكل معاني الأخوة الحسنة، وسلكوهم كل مسالك المحبة الحقة، صغيرها وكبيرها دقيقها وجليلها فأحصوها وأحيوها، ورسموها بصور جمالية رائعة، وسطروها بخطوط بيانية ساحرة، ونقشوا أمجادهم تلك على تحف فنية رائقة فاتنة، تدفقت تدفق السيل، وانهمرت انهمار المطر، وضاهت البرق في سرعته، والرعد في قوته، فجعلت العدو المفارق- كفانا الله شره، وأخزى كيده، ورده في نحره - فكيف بالموافق؟! يقف في مقامه حائرًا مذهولًا، ويتسمر في مكانه مندهشًا مبهورًا، إجلالًا لحقهم