الصفحة 9 من 27

ويصدروا عن رأي واحد، كصدور الرأي الواحد، عن الرجل الحكيم الخبير الواحد، فيكون الجميع على قلب رجل واحد إيمانًا ويقينًا، يحلي ذلك كله صدق القصد، وقوة العزيمة. وأنى لتلك المجتمعات ذلك؟!!

فإن هذا مما لا يستطيعه إلا الإسلام جزمًا، أو من ارتضع من لبانه، وتغذى من غذائه ومات على ذلك، ولا يصنعه إلا الإيمان فعلًا، ومن التحف بلحافه، ونام على فراشه ومات على ذلك، وإن تشدق وتظاهر به الكثيرون، فإن العبرة بحقائق الأمور وعواقبها، لا بالدعاوي وتزيينها، والأسماء وزخرفتها؛ فإن هذا لا يعجز عنها أحد، ومتى استغنى فقير بقوله: ألف دينار؟! أو احترق لسان بقوله: نار؟! وقد أحسن من قال:

وكلٌّ يدعي وصلا بليلى = وليلى لا تقر لهم بذاكا

إذا اشتبكت دموع في خدودٍ = تبين من بكى ممن تباكا

ولهذا نرى الإسلام يعلنها واضحة مدوية، ونشاهد الإيمان يرسلها عظيمة محلقة - في المجتمعات قاطبة - سواء منها ما كان على صحائف القران، أو كان من كلام الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - العدنان، أن تلك الرابطة المنشودة، والعروة المفقودة، التي جمعت بين أبنائه لم تكن أبدًا من صنع القوانين الوضعية، ولم تفرضها الدساتير الغربية، ولم تُجتلب بغايات مادية، ولم تدخل في نطاق المنافع والمصالح، ولا هي سلعة في أسواق وساحات كيل المدائح، بل صدرت عن العقيدة الصحيحة المصفاة، ونبعت من الأخوّة الإيمانية المنقاة، وفاضت من الحب الصادق.

قال الله - عز وجل: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران:103] . وقال الله - عز وجل: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:62] .

إنه ما من شك أن الأخوة والمحبة منحة قدسية، وهبة ربانية، ونعمة إلهية، تقذف في قلوب من سيغبطهم عليها أهل النبوة والرسالة، والشهادة والصديقية [1] ، فكيف بمن سواهم؟! نسأل الله - عز وجل - أن يجعلنا وإياكم منهم.

(1) أخرجه الطبراني في"المعجم الكبير" (12/ 134/12686) من حديث ابن عباس مرفوعا:"إن لله جلساء يوم القيامة عن يمين العرش - وكلتا يدي الله يمين - على منابر من نور، وجوههم من نور، ليسوا بأنبياء، ولا شهداء، ولا صديقين. قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: المتحابون بجلال الله تعالى". وهو حديث حسنه جمع من أهل العلم، ولا يغرك تضعيف الشيخ الألباني - رحمه الله - له في الضعيفة (13/ رقم 6264) ، فهذا مما تراجع عنه بآخره.

وعن أبي مسلم الخولاني قال: قلت لمعاذ بن جبل: والله إني لأحبك لغير دنيا أرجو أن أصيبها منك ولا قرابة بيني وبينك. قال: فلأي شيء؟ قلت: لله قال: فجذب حبوتي، ثم قال: أبشر إن كنت صادقًا؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله و سلم - يقول: (المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء) . ثم قال: فخرجت فأتيت عبادة بن الصامت فحدثته بحديث معاذ، فقال عبادة بن الصامت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله و سلم - يقول عن ربه تبارك وتعالى: (حقت محبتي على المتحابين في، وحقت محبتي على المتناصحين في، وحقت محبتي على المتزاورين في، وحقت محبتي على المتباذلين في. وهم على منابر من نور يغبطهم النبيون والصديقون بمكانهم) . أخرجه أحمد (5/ 328) ، ابن حبان رقم: (577) ، وصححه الألباني - رحمه الله - في صحيح الترغيب (3/ 92 رقم 3019) ، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح، رجاله ثقات ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت