نزل رجل في دربٍ بمصر وكانت فيه امرأة جميلة فتنت الناس بجمالها، فعلمت به المرأة فقالت: لأفتننه، فلما دخلت من باب الدار تكشفت وأظهرت نفسها، فقال: مالك، فقالت: هل لك في فراش وطيٍّ وعيشٍ رخيٍّ؟
فأقبلها عليها وهو يقول:
وكم ذي معاصٍ نال منهن لذة = ومات فخلاها وذاق الدواهيا
تصرم لذات المعاصي وتنقضي = وتبقى تباعات المعاصي كما هيا
فيا سوءتا والله راءٍ وسامع = لعبد بعين الله يغشى المعاصيا
حادي عشر: المحبون عند موت محبوبهم:
قيل لبثينة: هذا جميل فهل عندك من حيلة تنفسين بها عشقه لك؟ فقالت: ما عندي أكثر من البكاء إلى أن ألقاه في الدار الأخرى، أو زيارته وهو ميت تحت الثرى.
وقيل لعُتْبة بعد موت عاشقها: ما كان يضرك لو أمتعتيه بوجهك؟ قالت: منعني من ذلك خوف العار، وشماتة الجار، ومخافة الجبار، وإن بقلبي أضعاف ما بقلبه غير أني أجد سترة أبقى للمودة، وأحمد للعاقبة، وأطوع للرب وأخف للذنب.
ثاني عشر: عفاف جميل وبثينة:
ذهب البعض يعودون"جميلا"في مرضه فدخلوا عليه والموت يشتد عليه، فنظر إلى واحد منهم وقال: يا ابن سهل، ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط، ولم يزن، ولم يقتل نفسا؟ يشهد أ، لا إله إلا الله؟ قال ابن سهل: أظنه قد نجا وأرجو له الجنة، فمن هذا الرجل؟ قال: أنا، قال ابن سهل: والله ما أحسبك وأنت تتغزل في بثينة عشرين سنة. فقال: لا نالتني شفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة - فإني في أول يوم من أيام الأخرة وآخر يوم من أيام الدنيا - إن كانت وضعت يدي عليها لريبة. وظل الرجال معه ولم يتركوه حتى مات.