الصفحة 24 من 33

إن نداء البرق الساري، وكذلك نسيم الصَّبا، ما هو إلا حيلة فنية حاول الشاعر من خلالها أن يصل بمشاعره إلى"فردوسه المفقود: (ولاَّدة) قُرَّة عينه" [1] ، التي كانت تَسقيه صِرف الودِّ والهوى في استرجاع وحنينٍ إلى الذكريات، ورغبةٍ في حفاظ المحبوبة على العهد الذي لم يخنه الشاعر الحاكي التجربة الذاتية العاطفية الخالصة.

بيد أن أحمد شوقي - وقد أخذ يُتئر النظر في نونيَّة ابن زَيدون هذه - قد انطلق من هذه الذاتية الخالصة إلى حيث عموميةُ التجربة عندما جعل المحبوبة مصر الوطن المكان، وليس المرأة التي بدا حديثُ ابن زيدون عنها مثيلًا لأحاديث الشعراء العُذريِّين.

نحن لسنا في إطار المقارنة بين القصيدتين؛ إذ الذي لا مِراء فيه أننا أمام قصيدتين بلَغَتا من التجويد الفنِّي والتطريب الإيقاعي، والتنويع الدلالي ما يَشفي غلة الصادي إلى سلسال الشعر العربي، وانظر إلى قول شوقي [2] :

يَا سَارِيَ الْبَرْقِ يَرْمِي عَنْ جَوَانِحِنَا = بَعْدَ الْهُدُوءِ وَيَهْمِي عَنْ مَآقِينَا

لَمَّا تَرَقْرَقَ فِي دَمْعِ السَّمَاءِ دَمًا = هَاجَ الْبُكَا فَخَضَبْنَا الأَرْضَ بَاكِينَا

اللَّيْلُ يَشْهَدُ لَمْ نَهْتِكْ دَيَاجِيَهُ = عَلَى نِيَامٍ وَلَمْ نَهْتِفْ بِسَالِينَا

وَالنَّجْمُ لَمْ يَرَنَا إِلاَّ عَلَى قَدَمٍ = قِيَامَ لَيْلِ الْهَوَى لِلْعَهْدِ رَاعِينَا

كَزَفْرَةٍ فِي سَمَاءِ الليْلِ حَائِرَةٍ = مِمَّا تُرَدِّدُ فِيهِ حِينَ يُضْوِينَا

نجده لم يتناصَّ مع ابن زيدون لفظيًّا إلا في أسلوب النداء الثُّنائي الأركان؛ من الأداة والمنادى عينِه، بيد أنه يُدخِلنا في تجربته الفنية التي ربما كانت نظرته إلى ابن زيدون دافعةً إياه نحو تغيير مجرى القول، وإن صَبَّت في الإناء نفسه من حيث النغمةُ الحزينة التي يرسمها فنيًّا عند ابن زيدون تساؤلُه عن معاناة المحبوبة لما يُعانيه من تذكُّرها وكأنه يسألها أن تذكرَه كما يَذكرها، بينما يرسمها فنيًّا عند شوقي: دمع السماء، والدم المُهَيج للبكاء، وتخضيب الأرض الحبيبة بدموع العين المنهمرة صامتة بليل لا يَسمعه فيه أحد؛ مما يشير إلى مصداقيَّةٍ عاطفيةٍ ارتبط بها الشاعر الحزين

(1) د/ شوقي ضيف: شوقي شاعر العصر الحديث - سابق - ص 34.

(2) الشوقيات: 2/ 105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت