الصفحة 23 من 33

يا سَائِلًا عَن شأنهِ وَمَكانهِ = ما كانَ أَغنى شأنَهُ عَن شاني

هاتيكَ قَينَتهُ وَذَلِكَ قصرُهُ = مِن بَعد أَيِّ مَقاصرٍ وَقيانِ

مِن بعدِ كُلِّ عَزيزةٍ روميَّةٍ = تَحكي الحَمائِم في ذُرَى الأَغْصَانِ

وكان شوقي قد عارض ابن زيدون في نونيته هذه؛ إذ كان ابن زيدون قد أنشدها في الأميرة ولاَّدة في ذروة مُعاناته أزمته مع آل جهور، فلما"يئس من لقياها، وحُجِبَ عنه محيَّاها، كتب إليها يستديم عهدها، ويوكِّد ودَّها، ويعتذر عن فراقها بالخطب الذي غَشِيَه، والامتحان الذي خَشِيَه، ويُعلمها أنه ما سلا عنها بخمرٍ، ولا خبا ما في ضلوعه من جَمْرٍ، وهي قصيدة ضربت في الإبداع بسهم، وطلعت في كل خاطرٍ ووهم، ونزعت مترعًا قَصَّر عنه حبيبٌ وابن الجهم" [1] .

والمعارضات الشعرية واحدة من فنون الشعر العربي الذائعة الصيت منذ القدم، وهي صورة من صور التناص الشعري الذي لا يقف عند حد مجيء الشاعر المحدَث أو المتأخر زمنًا بقصيدة من الروِي عينه والوزن نفسه لقصيدة سابقة عليه مما قد يُذهب - عند النظرة العجلى - بشاعرية المتأخر، أو شعرية شعره، وإنما يمتد التناصُّ ليعيد اكتشاف التراث، ويُعيد إنتاجه كذلك.

وإذا حاولنا أن نرسِّخ لما نذهب إليه هنا؛ فإننا سوف نستدعي قول ابن زيدون [بسيط] [2] :

يَا سَارِيَ الْبَرْقِ غَادِ الْقَصْرَ وَاسْقِ بِهِ = مَنْ كَانَ صِرْفَ الْهَوَى وَالْوُدِّ يَسْقِينَا

وَاسْأَلْ هُنَالِكَ: هَلْ عَنَّى تَذَكُّرُنَا = إِلْفًا تَذَكُّرُهُ أَمْسَى يُعَنِّينَا

وَيَا نَسِيمَ الصَّبَا بَلِّغْ تَحِيَّتَنَا = مَنْ لَوْ عَلَى الْبُعْدِ حَيٌّ كَانَ يُحْيِينَا

فَهْلَ أَرَى الدَّهْرَ يَقْضِينَا مُسَاعَفَةً = فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غِبًّا تَقَاضِينَا

(1) الفتح بن خاقان: قلائد العقيان - السابق - 1/ 245.

(2) ابن زيدون: ديوانه ورسائله - شرح وتحقيق علي عبدالعظيم ص 144 - نهضة مصر 1980 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت