الصفحة 8 من 43

وباب:"في نقض المراتب إذا عرض هناك عارض"، وباب:"في إقرار الألفاظ على أوضاعها الأول ما لم يَدْعُ داعٍ إلى الترك والتحول" [1] .

وقد فرَّق عبدالقاهر الجرجاني ت 471 هـ بين الجملة قبل دخول العوارض عليها وبعد دخولها، وذكر أن أسلوب الجملة قد ازداد جمالًا بعد دخول هذه العوارض، يقول:"فإذا رأيتها قد راقَتْكَ وكَثُرَتْ عندك، ووجدتَ لها اهتزازًا في نفسك، فعُدْ فانظُر في السبب واستقصِ في النظر، فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه قدَّم وأخَّر، وعرَّف ونكَّر، وحذَف وأضمَر، وأعاد وكرَّر، وتوخَّى على الجملة وجهًا من الوجوه التي يقتضيها علم النحو، فأصاب في ذلك كله، ثم لَطُفَ موضع صوابه، وأتى مأتى يُوجب الفضيلة" [2] .

وقد عرَّف الدكتور تمام حسان العوارض بقوله:"هي الأمور التي تَعرِض للتركيب الأصلي للجملة ليخرج عن المألوف، فالخروج عن أصل الحرف أو أصل الكلمة أو أصل الجملة - بالحذف أو الزيادة أو بالإضمار - يُعد من عوارض التركيب" [3] .

تقول الباحثة أرواح عبدالرحيم الجرو:"العارض في الاصطلاح: خروج اللغة أحيانًا عن الأصل المتفق عليه لدى النحاة، وهذا الخروج لا يُعد تقويضًا لقوانين العربية وقواعدها، وإنما يأتي لأغراض بلاغية يقصدها المتكلم، وهو ما يُسمى بعوارض التركيب، فالعارض ما يَعرِض للجملة، بحيث يجعلها تخرج عن تركيبها الثابت" [4] .

وقد رادَفتْ كتبُ النحاة والبلاغيين القدامى بين مصطلحَي العدول والعوارض كما مَرَّ، وقد أشار إلى هذا الترادف وجَلاَّه الدكتور تمام حسان قائلًا:"إن الأصل في الجملة ذكر عناصرها الإسنادية، والأصل أيضًا الإظهار، والرتبة، والإفادة، وقد يُعدَل عن هذه الأصول، فيُعدَل عن الذكر بالحذف، وهنا وجَبَ التقدير، وقد يُعدَل عن الإظهار، وهنا يجب الإضمار، وقد يُعدَل عن الرتبة بين عناصر الجملة بالتقديم والتأخير، وهذا العدول عن الأصل هو عوارض التركيب، ويشترط لجواز العدول والخروج عن الأصل أمْن اللبس لتحقق الفائدة، فلا يجوز الحذف إلا بوجود ما يدل عليه، ولا يجوز الإضمار إلا بوجود ما يُفسِّره، ولا يجوز التقديم والتأخير إلا مع وضوح المعنى" [5] .

وعلى ذلك، فالجملة العربية - مع تعدُّد أقسامها وحجمها وموقعها - لا تأتي على هيئة واحدة، وإنما تَعرِض لها عوارض تَحيد بها عن الأصل، لكن هذه العوارض لا تأتي اعتباطًا، بل تأتي لفائدة تتمثل في إضافة معانٍ ودلالات جديدة يَعرِفها جيدًا علماء البلاغة؛ ذلك أن دور النحوي وصف الظاهر - وذِكر أن في هذه الجملة

(1) ينظر الخصائص؛ لابن جني، ج 1، ص 295، وج 2، ص 459، وج 3، ص 20.

(2) دلائل الإعجاز؛ لعبدالقاهر الجرجاني، ج 1، ص 85.

(3) البيان في روائع القرآن؛ للدكتور تمام حسان، ص 83.

(4) عوارض التركيب في الأصمعيات: دراسة نحوية وصفية تطبيقية، رسالة ماجستير للباحثة أرواح عبدالرحيم الجرو، ص 15.

(5) الأصول دراسة إبستيمولوجية للفكر اللغوي عند العرب؛ للدكتور تمام حسان، ص 121 - 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت