المبحث الأول: عارض التقديم والتأخير:
التقديم والتأخير لغةً واصطلاحًا:
التقديم والتأخير لغةً:
عند البحث عن مادة (قَدَمَ وأخَرَ) في المعاجم العربية، وُجِد أنَّ لها معانيَ عديدة، من هذه المعاني: ما ذُكِر في معجم العين قوله: القُدْمَة والقُدمُ السابقةُ في الأمر؛ كقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2] ؛ أي: سبقٌ لهم عند الله خير، وللكافرين قدم شرٍّ، والقِدَمُ: مصدر القديم من كل شيء، وتقول: قَدُمَ يَقْدُمُ، وقَدَمَ فلان قومَه؛ أي: يكون أمامهم، وتقول: يمضي قُدُمًا ولا يَنثني، ورجلٌ قُدُم: مقتحم للأشياء، يتقدَّم الناس، ويمضي في الحرب قُدُمًا، ولم يأتِ في كلامهم مُقدَّمٌ ومؤخَّرٌ بالتخفيف إلا مُقدِم العين ومُؤخِرها، وسائر الأشياء بالتشديد [1] .
التقديم والتأخير اصطلاحًا:
الحديث عن التقديم والتأخير يدخل في إطار الحديث عن الرتبة، وقد عرَّفها الدكتور تمام حسن، فقال:"قرينة لفظية وعلاقة بين جزأين مُرتَّبين من أجزاء السياق، يدل موقع كل منهما من الآخر على معناه" [2] .
يُعد الخليل بن أحمد الفراهيدي ت 175 هـ أول مَن أشار إلى مصطلح التقديم والتأخير، ويظهر أنَّ إشارته تلك كانت ضمن دراسته للتراكيب في أسلوب التقديم والتأخير، وكتاب سيبويه ت 180 هـ من أهم الكتب النحوية التي حوت لمحات بلاغية لم يَسبقه إليه أحدٌ، فقد ذكر موضوع التقديم والتأخير في مواضع عديدة ... وذكر سيبويه التقديم بعد الهمزة وربطه بمقصد المتكلم؛ حيث قال في باب: (أم إذا الكلام كان بها بمنزلة أيهما وأيهم) :"وذلك قولك: أزيدٌ عندك أم عمرو؟ وأزيدًا لقيتَ أم بِشرًا؟ فأنت الآن مُدَّعٍ أنَّ عنده أحدهما ... واعْلَمْ أنك إذا أردت هذا المعنى، فتقديم الاسم أحسن؛ لأنك لا تسأله عن اللقي، وإنما تسأله عن أحد الاسمين، لا تدري أيهما هو" [3] .
وسيبويه بهذا قد وضع معيارًا جامعًا مانعًا للغاية التي من أجلها كان العرب يُقدِّمون ويؤخرون؛ يقول:"إنَّما يُقدِّمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أغنى، وإن كانا جميعًا يُهِمَّانِهم ويَعْنِيانهم" [4] .
(1) ينظر العين؛ للخليل بن أحمد، ج 5، ص 122، وتهذيب اللغة؛ للأزهري، ج 9، ص 55.
(2) اللغة العربية معناها ومبناها؛ للدكتور تمام حسان، ص 205.
(3) التقديم والتأخير في صحيح البخاري: دراسة بلاغية، رسالة ماجستير للباحثة رملة رشيد إسماعيل الناصري، ص 10 بتصرف.
(4) الكتاب؛ لسيبويه، ج 1، ص 34.