الصفحة 22 من 43

فسيبويه هنا يذكر الغاية والعلة التي من أجلها لجأت العرب إلى التقديم والتأخير، وهي تسليط الضوء على الأهم وإبرازه للمتلقي، وليُفهمه أنه هو عُمدة الكلام، وعليه الاعتماد في السياق الكلامي، وأنه هو المقصود إيصاله أو إثباته من الكلام، وإن كان العرب يهتمون ببيان كل أجزاء الجملة أو الكلام عامة.

وذكر المبرد ت 285 هـ مصطلح التقديم أيضًا، وذكر أغراضه، ومنها غرض التنبيه الذي ذكره سيبويه في تقديم المفعول به، كما ذكر أهمية التقديم والتأخير المراد به التوضيح، وآمن اللبس في الكلام؛ يقول:"وإنما يصلح التقديم والتأخير إذا كان مُوضحًا عن المعنى" [1] .

وذكر ابن جني التقديم والتأخير، فقال:"فصل في التقديم والتأخير: وذلك على ضربين: أحدهما ما يَقبله القياس، والآخر ما يُسهله الاضطرار؛ الأول: كتقديم المفعول على الفاعل تارةً، وعلى الفعل الناصب أخرى؛ كضرب زيدًا عمرو، وزيدًا ضرب عمرو، وكذلك الظرف؛ نحو: قام عندك زيد، وعندك قام زيد، وسار يوم الجمعة جعفر، ويوم الجمعة سار جعفر، وكذلك الحال نحو: جاء ضاحكًا زيد، وضاحكًا جاء زيد" [2] .

فابن جني جعل التقديم والتأخير على بابين: أحدهما قياسي، والآخر يُضطَرُّ إليه، وراح يُمثِّل لذلك بتقديم المفعول على الفاعل وعلى الفعل، وتقديم الظرف على الفعل والفاعل، وتقديم الحال على صاحبه، وعلى ذلك فالتقديم والتأخير منه ما هو واجب، ومنه ما هو جائز، وما يخص الباحث هنا هو الجائز الذي يدخل تحت مسمى (عوارض التركيب) .

التقديم والتأخير في المجمهرة:

قال عَدِي:

5 -أَعاذِلُ إنَّ اللومَ في غيرِ كُنْهِهِ = عليَّ ثِنًى من غَيِّك المتَردِّدِ

فالشاعر قدَّم الجار والمجرور (عليّ) على خبر إن (ثِنًى) .

وقال أيضًا:

6 -أَعاذِلُ إن الجهلَ مِن لذَّةِ الفتى = وإن المنايا للرجالِ بمرصَدِ

قدَّم الشاعر الجار والمجرور (للرجالِ) على متعلقه بمرصد، فأصل القول: بمرصَدِ للرجالِ، وقد وقَع الجار والمجرور نعتًا، فلمَّا قُدِّم الجار والمجرور، صار حالًا؛ ذلك أن نعت النكرة إذا تقدَّم عليها يُعرَب حالًا.

وقال:

11 -ذَريني فإني إنما لي ما مضى = أمامي من مالي إذا خَفَّ عُوَّدِي

(1) المقتضب؛ للمبرد، ج 3، ص 95.

(2) الخصائص؛ لابن جني، ج 2، ص 382.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت