قصة مشهورة في كتب التاريخ، وسأنقلها من كتاب ابن خرداذبه المتوفى سنة 280 هجرية، فهو الذي سمعها من سلام الترجمان وأملاها عليه، وكل من نقلها من المؤرخين فقد نقلها من طريق ابن خرداذبة، وبسبب طولها وبعض ما فيها من الغرائب سأختصرها هنا وأذكر بين معكوفتين أسماء بعض الأماكن المذكورة فيها من كتب الجغرافيا المعاصرة:
قال ابن خرداذبه رحمه الله في كتابه (( المسالك والممالك ) ) (ص: 162) : حدّثني سلام الترجمان أن الواثق بالله لمّا رأى في منامه كأنّ السّدّ الذي بناه ذو القرنين بيننا وبين ياجوج وماجوج قد انفتح فطلب رجلا يُخرجه إلى الموضع فيستخبر خبره، فقال الناس: ما هاهنا أحد يصلح إلا سلام الترجمان، قال: فدعا بي الواثق، وقال: أريد أن تخرج إلى السد حتى تعاينه وتجيئني بخبره، وضم إلي خمسين رجلا شبابا أقوياء، ووصلني بخمسة آلاف دينار، وأعطاني ديتي عشرة آلاف درهم، وأمر فأعطى كل رجل من الخمسين: ألف درهم ورزق سنة، وأعطاني مائتي بغل لحمل الزاد والماء، فشخصنا من سر من رأى [هي مدينة سامراء، الواقعة على نهر دجلة شمالي بغداد] بكتاب من الواثق بالله إلى إسحاق بن إسماعيل صاحب أرمينية وهو بتفليس [هي عاصمة جورجيا] في إنفاذنا، وكتب لنا إسحاق إلى صاحب السرير، وكتب لنا صاحب السرير إلى ملك اللان [ولاية في إقليم جورجيا على البحر الأسود، عند سفوح جبال القفقاس (القوقاز) الغربية الجنوبية] ، وكتب لنا ملك اللان إلى فيلان شاه، وكتب لنا فيلان شاه إلى طرخان ملك الخزر [بحر الخزر هو بحر قزوين (mercaspienne) ، سمي باسم القبائل التي كانت تسكن حوله] ، فأقمنا عند ملك الخزر يوما وليلة حتى وجه معنا خمسة أدلاء، فسرنا من عنده ستة وعشرين يوما، فانتهينا إلى أرض سوداء منتنة الرائحة، وكنا قد تزودنا قبل دخولها خلا نشمه من الرائحة المنكرة، فسرنا فيها عشرة أيام، ثم صرنا إلى مدن خراب، فسرنا فيها عشرين يوما، ثم صرنا إلى حصون بالقرب من الجبل الذي في شعبة منه السد، وبين كل حصن من تلك الحصون إلى الحصن الآخر فرسخ إلى فرسخين أقل وأكثر، ثم صرنا إلى مدينة بينها وبين السد مسيرة ثلاثة أيام، وبينها وبين السد حصون وقرى حتى تصير إلى السد في اليوم الثالث، ثم صرنا إلى جبل عال عليه حصن، والسد الذي بناه ذو القرنين هو فج بين جبلين عرضه مائتا ذراع، وهو الطريق الذي يخرجون منه فيتفرقون في